موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ٢٠٠ - سنة «٦٠٨» ه
الشهر. و سألته فقلت: هذا حمدون الذي تنسبون إليه أهو حمدون نديم المتوكل و من بعده من الخلفاء؟فقال: لا نحن من آل سيف الدولة ابن حمدان بن حمدون من بني تغلب. هذه صورة لفظه. و كان من المحبين للكتب و اقتنائها، و المبالغين في تحصيلها و شرائها و حصل له من أصولها المتقنة، و أمّهاتها المعينة، ما لم يحصل للكثير [١] ثم تقاعد به الدهر و بطل عن العمل فرأيته يخرجها و يبيعها [٢] و عيناه تذرفان بالدموع كالمفارق لأهله الأعزّاء، و المفجوع بأحبابه الأودّاء. فقلت له: هوّن عليك أدام اللّه أيامك-فإن الدهر ذو دول و قد يصحب الزمان و يساعد، و ترجع دولة العز و تعاود، فتستخلف ما هو أحسن منها و أجود. فقال:
حسبك يا بني هذه نتيجة خمسين سنة من العمر أنفقتها في تحصيلها و هب أن المال يتيسر، و الأجل (أ) يتأخر؟و هيهات فحينئذ لا أحصل من جمعها بعد ذلك إلا على الفراق، الذي ليس بعده تلاق، و أنشد بلسان الحال:
هب الدهر أرضاني و أعتب صرفه # و أعقب بالحسنى و فكّ من الأسر
فمن لي بأيام الشباب التي مضت # و من لي بماقد مرّ في البؤس من عمري؟
ثم أدركته منيته و لم يدرك أمنيته... و كان مع اغتباطه بالكتب و منافسته و مناقشته فيها، جوادا باعارتها و لقد قال لي يوما و قد عجبت من مسارعته إلى إعارتها للطلبة: ما بخلت باعارة كتاب قط و لا أخذت عليه رهنا. و لا أعلم أنه مع ذلك فقد كتابا في عارية قط. فقلت:
الأعمال بالنيات و خلوص نيتك في إعارتها حفظها عليك» و قال قبل ذلك: «و كان حريصا على العلم فجمع من أخبار العلماء و صنف من
[١] جاء في الأصل بعد الكثير «كلمة أحد» و هي قلقة مستغربة هنا.
[٢] كان ياقوت وراقا و دلالا للكتب كما هو متعالم من سيرته فلعله كان يشتريها منه و يعزيه عنها.