موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ٢٩٨ - سنة ٦٤٣ ه
يوصف بالقطع صحيح. فقال الوزير، لا بل أكتب كما أقول. فراجعه القمي، فحرد الوزير لذلك و ارتفع صوته و التف إلى الحاضرين و قال:
أنا عزلت الكتاب الكبار الذين كانوا عندي لأجل مخالفتهم و لجاجهم فيما أقوله و استكتبت هذا الصبي ظنا مني أن لحداثة سنّه لا يكون عنده من التجرؤ و المخالفة ما عندهم، فإذا هو أشد مخالفة من أولئك. فخرج بعض خدم السلطان من بين يديه و كان جالسا قريبا من مجلس الوزير، و سأل عن كثرة الصياح و حرد الوزير، فعرف الخادم صورة ما جرى بين الوزير و القميّ، فدخل و حكى للسلطان ما قيل، فقال له: أخرج و قل للوزير:
الحق ما اعتهده الصبيّ الكاتب. فنبل القمي في عيون الناس و علت منزلته و أنس القمي بهذا الخادم و صار الخادم يستشيره و يسكن إليه و يأنس به.
فاتفق أن السلطان عيّن على هذا الخادم و على رجل آخر ليتوجها في رسالة إلى ديوان الخليفة، فالتمس الخادم أن يكون القمي صحبته. فأرسل صحبته فتوجهوا إلى بغداد و حضر الخادم و رفيقه عند الوزير ابن القصاب، فشافهاه بالرسالة و سمعا الجواب، و كان جوابا غير مطابق للرسالة و لكنه كان نوعا من المغالطة، فقنع الخادم و رفيقه بذلك الجواب و ما تنبها على فساده و خرجا، فرجع القمي و وقف بين يدي الوزير و حادثه سرا و قال له: يا مولانا الجواب غير مطابق لما أنهاه المماليك. فقال له الوزير: صدقت و لكن دعهم على غباوتهم و لا تفطّنهم إلى ذلك. فقال السمع و الطاعة. ثم إن ابن القصاب كتب إلى الخليفة (الناصر لدين اللّه) يقول له: إنه قد وصل صحبته خادم السلطان فلان شاب قمي قد جرى من تنبهه كيت و كيت و مثل هذا يجب أن يصطنع و يحسن إليه و يستخدم. فكتب الخليفة إليه يأمره بأن لا يمكّنه من التوجه معهم. فعمل له حجة و قطع عنهم فتوجهوا و أقام القميّ ببغداد فعين عليه في كتابة الانشاء، فمكث على ذلك مدة ثم تولى الوزارة و تمكن في الدولة تمكنا لم يتمكن مثله أحد من أمثاله، و كان أوحد زمانه في كل شيء حسن، كثير البر و الخير و الصدقات. حدث عنه مملوكه بدر الدين