موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ١٥٧ - سنة «٥٩٤» ه
لمزية التعظيم، و لا فارق بين فسحة التحليل و حرج التحريم، و الشرع و الأدب يحكمان عليك بأن تلقى ما فرط منك بالمناب، و لا تحوج فيه إلى التقريع الذي هو أشد العتاب، و مثلك من عرف الحق فأمسكه بيده، و نسخ إغفال أمسه باستئناف التيقظ في غده، و اللّه قد رفع المؤاخذة عمّن أتي الشيء خطأ لا عمدا، و قبل التوبة ممن أخذ على نفسه بالاخلاص عهدا، فانظر أيها المتأمل كيف جئت بالخبر النبوي و جعلته شاهدا على هذا الموضع، و لا يمكن أن يحتج في مثل ذلك إلا بمثل هذا الاحتجاج، و ما أعلم كيف شذّ عن ابن زبادة أن يأتي به مع أنه كان كاتبا مفلقا ارتضي كتابته و لم أجد في متأخري العراقيين من يماثله في هذا الفنّ [١] » .
قلت: إن الكتاب الذي أشار إليه الضياء ابن الأثير، ذكر العماد الاصبهاني الكاتب قصته في كتابه الفتح القدسي و ذلك أن صلاح الدين لما فتح القدس سنة ٥٨٣ و أرسل بالبشارة إلى الخليفة الناصر لدين اللّه جنديا يعرف برشيد الدين البوشنجي فغضب الناصر عليه و اغتاظ من هذا التهاون لأنّ تفاهة الرسول تدل على هوان المرسل اليه، فأمر أستاذ الدار قوام الدين يحيى بن زبادة أن يكتب إلى الملك صلاح الدين كتابا شديدا ذكروا بعضه و أشاروا إلى بعض آخر لشدّته على صلاح الدين، قال العماد: «و وجد الأعداء حينئذ إلى السعاية طريقا، و طلبوا لشمل استسعاده بالخدمة تفريقا و اختلقوا أضاليل، و لفقوا أباطيل و قالوا:
هذا يزعم أنه يقلب الدولة و يغلب الصولة، و أنه ينعت بالملك الناصر، نعت الامام الناصر، و يدلّ بما له من القوّة و العسكر فأشفق الديوان العزيز [٢] على السلطان من هذه، و برز الأمر المطاع بارسال أخي [٣]
[١] المثل السائر في أدب الكاتب و الشاعر «ص ١١-١٢» طبعة المطبعة البهية بمصر.
[٢] يعني ديوان الخلافة العباسية و فيه السلطة العليا التي تستمد قوتها من الخليفة.
[٣] كان رسول الخليفة الناصر تاج الدين أبو بكر حامد الأصفهاني أخو العماد الأصفهاني، و الرسول منصوب على الجزية.