موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ٢٥١ - سنة ٦٢٣ ه
من أهل العلم حديثا، إن كان فيه بعض الكلمات العاميّة إلا أنه يتضمن ظرفا و لطفا و يتضمن أيضا أدبا، قال كان ببغداد في صدر أيام الناصر لدين اللّه أبي العباس أحمد ابن المستضيء باللّه واعظ مشهور بالحذق و معرفة الحديث و الرجال، و كان يجتمع إليه و تحت منبره خلق عظيم من عوام بغداد و من فضلائها أيضا، و كان مشتهرا بذم أهل الكلام و خصوصا المعتزلة و أهل النظر، على قاعدة الحشوية و مبغضي أرباب العلوم العقلية، و كان أيضا منحرفا عن الشيعة يرضي العامة بالميل عليهم، فاتفق قوم من رؤساء الشيعة على أن يضعوا عليه من يبكته و يسأله تحت منبره و يخجله و يفضحه بين الناس في المجلس، و هذه عادة الوعاظ يقوم إليهم قوم فيسألونهم مسائل يتكلفون الجواب عنها، و سألوا عمن ينتدب لهذا فأشير عليهم بشخص كان ببغداد يعرف بأحمد بن عبد العزيز الكزي (الكنري... فأحضروه و طلبوا إليه أن يعتمد ذلك فأجابهم، و جلس ذلك الواعظ في يومه الذي جرت عادته بالجلوس فيه، و اجتمع الناس عنده على طبقاتهم حتى امتلأت الدنيا بهم، و تكلم على عادته فأطال، فلما مرّ في ذكر صفات البارىء-سبحانه- في أثناء الوعظ قام إليه الكزي فسأله أسئلة عقلية، على منهاج المتكلمين من المعتزلة، فلم يكن للواعظ عنها جواب نظري و إنما دفعه بالخطابة و الجدل و سجع الألفاظ. و تردد الكلام بينهما، طويلا، و قال الواعظ في آخر الكلام: أعين المعتزلة حول، و أصواتي في مسامعهم طبول، و كلامي في أفئدتهم نصول، يا من بالاعتزال يصول، و يحك كم تحول و تجول، حول من لا تدركه العقول، كم أقول و أقول: خلوا هذا الفضول؟. فارتج المجلس و صرخ الناس، و علت الأصوات، و طاب الواعظ و طرب، و خرج من هذا الفصل إلى غيره فشطح شطح الصوفية
ق-الأبرار» أن أبا الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي الواعظ المحدث المؤرخ المتوفى سنة ٥٩٧ كان يقول على منبر وعظه «سلوني قبل أن تفقدوني» تشبها بالإمام علي-ع-صحيفة الأبرار ج ٢ ص ١٠٨» .