مسند الإمام الكاظم أبي الحسن موسى بن جعفر(ع) - العطاردي، الشيخ عزيز الله - الصفحة ٢٢٥ - كتاب العقل و فضائله
الآخرة فعلم أنّها لا تنال إلّا بالمشقّة، فطلب بالمشقّة أبقاهما.
يا هشام إنّ العقلاء زهدوا في الدنيا و رغبوا في الآخرة، لأنّهم علموا أنّ الدنيا طالبة مطلوبة و الآخرة طالبة و مطلوبة، فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتّى يستوفي منها رزقه، و من طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت، فيفسد عليه دنياه و آخرته.
يا هشام من أراد الغنى بلا مال، و راحة القلب من الحسد، و السلامة في الدين فليتضرّع إلى اللّه عزّ و جلّ في مسألته بأن يكمّل عقله، فمن عقل قنع بما يكفيه، و من قنع بما يكفيه استغنى، و من لم يقنع بما يكفيه لم يدرك الغنى أبدا.
يا هشام إنّ اللّه حكى عن قوم صالحين: أنّهم قالوا: «ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنّك أنت الوهّاب» حين علموا أنّ القلوب تزيغ و تعود إلى عماها و رداها.
إنّه لم يخف اللّه من لم يعقل عن اللّه، و من لم يعقل عن اللّه لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها و يجد حقيقتها في قلبه، و لا يكون أحد كذلك إلّا من كان قوله لفعله مصدّقا، و سرّه لعلانيته موافقا، لأنّ اللّه تبارك اسمه لم يدلّ على الباطن الخفيّ من العقل إلّا بظاهر منه، و ناطق عنه.
يا هشام كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: ما عبد اللّه بشيء أفضل من العقل، و ما تمّ عقل امرئ حتّى يكون فيه خصال شتّى: الكفر و الشرّ منه مأمونان، و الرشد و الخير منه مأمولان، و فضل ماله مبذول، و فضل قوله مكفوف، و نصيبه من الدنيا القوت، لا يشبع من العلم دهره.
الذلّ أحبّ إليه مع اللّه من العزّ مع غيره، و التواضع أحبّ إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره، و يستقلّ كثير المعروف من نفسه، و يرى الناس كلّهم خيرا منه، و أنّه شرّهم في نفسه، و هو تمام الأمر.
يا هشام إنّ العاقل لا يكذب و إن كان فيه هواه.
يا هشام لا دين لمن لا مروّة له، و لا مروّة لمن لا عقل له، و إنّ أعظم الناس قدرا الّذي لا يرى الدنيا لنفسه خطرا أما إنّ أبدانكم ليس لها ثمن إلّا الجنّة فلا تبيعوها بغيرها.