كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٢٣٢ - فصل فضائله
و من غيرهم، فاستدعى أبا بكر و قال له: خذ اللواء و امض إلى بني سليم، فإنّهم قريب من الحرّة، فمضى و معه القوم حتّى قارب أرضهم و كانت كثيرة الحجارة و الشجر و هم بالوادي و المنحدر إليهم صعب، فلمّا صار أبو بكر إلى الوادي و أراد الانحدار خرجوا إليه فهزموه و قتلوا من المسلمين جمعا، فلمّا رجعوا إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عقد لعمر لواء و سيّره إليهم فكمنوا له تحت الحجارة و الشجر، فلمّا ذهب ليهبط خرجوا إليه فهزموه، فساء ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فقال عمرو بن العاص: ابعثني إليهم يا رسول اللّه فإنّ الحرب خدعة، و لعلّي أخدعهم، فأنفذه مع جماعة و وصّاه، فلمّا صار إلى الوادي خرجوا إليه فهزموه و قتلوا من أصحابه جماعة.
و مكث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أيّاما يدعو عليهم ثمّ دعا أمير المؤمنين فعقد له ثمّ قال:
أرسلته كرّارا غير فرّار، و رفع يديه إلى السماء و قال: اللهمّ إن كنت تعلم أنّي رسولك فاحفظني فيه و افعل به و افعل، فدعا له ما شاء، و خرج علي (عليه السلام) و خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يشيّعه و بلغ معه مسجد الأحزاب فشيّعه و دعا له و أنفذ معه أبا بكر و عمر و عمرو بن العاص فسار بهم نحو العراق متنكّبا عن الطريق حتّى ظنّوا أنّه يريد بهم غير ذلك الوجه، ثمّ أخذ بهم على طريق غامضة و استقبل الوادي من فمه، و كان يسير الليل و يكمن النهار، فلمّا قرب من الوادي أمر أصحابه أن يخفوا حسّهم (١) و أوقفهم مكانا و أقام أمامهم ناحية منهم، و رأى عمرو بن العاص صنيعه فلم يشك أنّ الفتح يكون له فأراد إفساد الحال و خوّف أبا بكر و عمر من وحوش الوادي و ذئابه و أنّ المصلحة أن تعلوا الوادي، فكلّما عليّا (عليه السلام) في ذلك فلم يجبهما، فقال عمر: لا نضيع أنفسنا، انطلقوا بنا نعلوا الوادي، فقال المسلمون: إنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمرنا أن لا نخالف عليّا فكيف نخالفه و نسمع قولك؟ فما زالوا حتّى أحسّ علي الفجر، فكبس القوم (٢) و هم غافلون فأمكنه اللّه منهم، و نزلت: وَ الْعادِياتِ ضَبْحاً. فَالْمُورِياتِ قَدْحاً (٣) إلى آخرها.
فبشّر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أصحابه بالفتح، و أمر هم باستقبال عليّ فاستقبلوه و النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يقدمهم، فقاموا صفّين، فلمّا بصر بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ترجّل عن فرسه، فقال له:
(١) و في رواية الإرشاد «أن يعكموا الخيل».
(٢) أي هجم عليهم من كلّ جانب.
(٣) العاديات: ١- ٢.