كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٢١٦ - غزوة خيبر
قال الشيخ المفيد: ثمّ تلت الحديبيّة خيبر، و كان الفتح فيها لأمير المؤمنين (عليه السلام) بلا ارتياب، فظهر من فضله (عليه السلام) في هذه الغزاة ما أجمع عليه نقلة الرواة و تفرّد فيها بمناقب لم يشركه فيها أحد من الناس، فروى محمّد بن يحيى الأزدي عن مسعدة بن اليسع و عبيد اللّه بن عبد الرحيم، عن عبد الملك بن هشام، و محمّد بن إسحاق و غيرهم من أصحاب الآثار قالوا: لمّا دنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من خيبر قال للناس: قفوا، فوقفوا فرفع يديه إلى السماء و قال: «اللهمّ ربّ السماوات السبع و ما أظللن و ربّ الأرضين السبع و ما أقللن و ربّ الشياطين و ما أضللن أسألك خير هذه القرية و خير ما فيها و أعوذ بك من شرّها و شرّ ما فيها، ثمّ نزل (عليه السلام) تحت شجرة و أقمنا بقيّة يومنا و من غده، فلمّا كان نصف النهار نادى منادي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فاجتمعنا إليه، فإذا عنده رجل جالس، فقال: إنّ هذا جاءني و أنا نائم فسلّ سيفي و قال: يا محمّد من يمنعك منّي اليوم؟ قلت:
اللّه يمنعني منك، فشام السيف (١) و هو جالس كما ترون و لا حراك (٢)، فقلنا: يا رسول اللّه لعلّ في عقله شيئا، قال: نعم دعوه، ثمّ صرفه و لم يعاقبه و حاصر خيبرا بضعا و عشرين ليلة (٣)، و كانت الراية لأمير المؤمنين، فعرض له رمد أعجزه عن الحرب، و كان المسلمون يناوشون اليهود (٤) بين أيدي حصونهم و جنباتها.
فلمّا كان ذات يوم فتحوا الباب و كانوا خندقوا على أنفسهم، و خرج مرحب برجله يتعرّض للحرب فدعا رسول اللّه أبا بكر فقال له: خذ هذه الراية، فأخذها في جمع من المهاجرين فاجتهد و لم يغن شيئا، و عاد يؤنّب القوم الذي اتبعوه و يؤنّبونه (٥).
فلمّا كان من الغد تعرض لها عمر فسار بها غير بعيد، ثمّ رجع يجبّن أصحابه و يجبّنونه، فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ليست هذه الراية لمن حملها، جيئوني بعلي بن أبي طالب، فقيل: إنّه أرمد، فقال: أرونيه تروني رجلا يحبّ اللّه و رسوله و يحبّه اللّه و رسوله، يأخذها بحقّها ليس بفرّار، فجاؤوا بعلي يقودونه إليه، فقال: ما تشتكي يا
(١) شامه: سلّه. و شامه: أغمده و هو من الأضداد.
(٢) الحراك- بالفتح-: الحركة.
(٣) و بضع في العدد بكسر الباء و بعض العرب بفتحها و هو ما بين الثلاث إلى التسع.
(٤) المناوشة: المناولة.
(٥) أنّبه- بتشديد النون-: لامه.