كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥٨٦ - الحادي عشر في مخرجه إلى العراق
إلى الكوفة، فاجتمع به ذووا النصح له و التجربة للأمور و أهل الديانة و المعرفة كعبد اللّه ابن عباس و عمر بن عبد الرحمن بن الحرث المخزومي و غيرهما، و وردت عليه كتب أهل المدينة من عبد اللّه بن جعفر و سعيد بن العاص و جماعة كثيرين كلّهم يشيرون عليه أن لا يتوجّه إلى العراق، و أن يقيم بمكّة، هذا كلّة و القضاء غالب على أمره، و القدر آخذ بزمامه، فلم يكترث بما قيل له و لا بما كتب إليه، و تجهّز و خرج من مكة يوم الثلاثاء و هو يوم التروية الثامن من ذي الحجة، و معه اثنان و ثمانون رجلا من أهله و شيعته و مواليه، فسار فلمّا وصل إلى الشقوق و إذا هو بالفرزدق الشاعر و قد وافاه هنالك، فسلّم عليه ثمّ دنا منه و قبّل يده، فقال له الحسين (عليه السلام): من أين أقبلت يا أبا فراس؟ فقال: من الكوفة، فقال له: كيف تركت أهل الكوفة؟ فقال: خلّفت قلوب الناس معك و سيوفهم مع بني أميّة عليك، و قد قلّ الديّانون، و القضاء ينزل من السماء، و اللّه يفعل ما يشاء، و جرى بينهما كلام قد تقدم ذكره في آخر الفصل الثامن.
ثمّ ودّعه الفرزدق في نفر من أصحابه و مضى يريد مكّة، فقال له ابن عمّ له من بني مجاشع: يا أبا فراس هذا الحسين بن علي؟ قال له الفرزدق: نعم هذا الحسين بن علي و ابن فاطمة الزهراء بنت محمّد المصطفى صلّى اللّه عليه و عليهم، هذا و اللّه ابن خيرة اللّه و أفضل من مشى على وجه الأرض الآن، و قد كنت قلت فيه قبل اليوم أبياتا غير متعرّض لمعروفه، بل أردت بذلك وجه اللّه و الدار الآخرة، فلا عليك أن تسمعها؟
فقال ابن عمّه: إن رأيت أن تسمعنيها أبا فراس، فقال: قلت فيه و في أمّه و ابيه و جدّه (عليهم السلام):
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * * * و البيت يعرفه و الحلّ و الحرم
هذا ابن خير عباد اللّه كلّهم * * * هذا التقي النقي الطاهر العلم
هذا حسين رسول اللّه والده * * * أمست بنور هداه تهتدي الامم
هذا ابن فاطمة الزهراء عترتها * * * في جنّة الخلد مجريا به القلم
إذا رأته قريش قال قائلها * * * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
يكاد يمسكه عرفان راحته * * * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
بكفّه خيزران ريحه عبق * * * بكفّ أروع في عرنينه شمم
يغضي حياء و يغضي من مهابته * * * فما يكلّم إلّا حين يبتسم
ينشقّ نور الدجى عن نور غرّته * * * كالشمس تنشقّ عن إشراقها الظلم