كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥٢ - فصل ذكر فضل بني هاشم و شرفهم
و من ذلك رسالة وقعت إليّ من كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ أذكرها مختصرا لها، قال: اعلم حفظك اللّه أنّ أصول الخصومات معروفة بيّنة و أبوابها مشهورة كالخصومة بين الشعوبيّة و العرب، و الكوفي و البصري، و العدناني و القحطاني، فهذه الأبواب الثلاثة أنقض للعقول السليمة، و أفسد للأخلاق الحسنة من المنازعة في القدر و التشبيه، و في الوعد و الوعيد، و في الأسماء و الأحكام، و في الآثار و تصحيح الأخبار، و أنقض من هذه للعقول تمييز الرجال و ترتيب الطبقات، و ذكر تقديم عليّ و أبي بكر، فأولى الأشياء بك القصد و ترك الهوى، فإنّ اليهود نازعت النصارى في المسيح فلجّ بهما القول حتّى قالت اليهود: إنّه ابن يوسف النجّار، و إنّه لغير رشده، و إنّه صاحب نيرنج و خدع و مخاريق و ناصب شرك و صيّاد سمك و صاحب شص و شبك، فما يبلغ من عقل صيّاد و ربيب نجّار. و زعمت النصارى أنّه ربّ العالمين و خالق السماوات و الأرضين و إله الأوّلين و الآخرين.
فلو وجدت اليهود أسوأ من ذلك القول لقالته فيه. و لو وجدت النصارى أرفع من ذلك القول لقالته فيه، و على هذا قال علي (عليه السلام): يهلك فيّ رجلان محبّ مفرط و مبغض مفرط، و الرأي كلّ الرأي أن لا يدعوك حبّ الصحابة إلى بخس عترة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حقوقهم و حظوظهم، فإنّ عمر لمّا كتبوا الدواوين و قدّموا ذكره أنكر ذلك و قال: ابدءوا بطرفي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) وضعوا آل الخطاب حيث وضعهم اللّه، قالوا:
فأنت أمير المؤمنين، فأبى إلّا تقديم بني هاشم و تأخّر نفسه، فلم ينكر عليه منكر و صوّبوا رأيه و عدّوا ذلك من مناقبه.
و اعلم أنّ اللّه لو أراد أن يسوّي بين بني هاشم و بين الناس لما أبانهم بسهم ذوي القربى، و لما قال: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (١) و قال تعالى: وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ (٢) و إذا كان لقومه في ذلك ما ليس لغيرهم فكلّ من كان أقرب كان أرفع، و لو سوّاهم بالناس لما حرّم عليهم الصدقة، و ما هذا التحريم إلّا لإكرامهم على اللّه، و لذلك قال للعباس حيث طلب ولاية الصدقات: لا أولّيك غسالات خطايا الناس و أوزارهم بل اولّيك سقاية الحاج و الإنفاق على زوّار اللّه، و لهذا كان ربّاه أوّل ربّا وضع، و دم ربيعة
(١) الشعراء: ٢١٤.
(٢) الزخرف: ٤٤.