كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٥٠ - ما ظهر من معجزاته و آياته
عجبا للذئب يتكلّم! قال: أنتم أعجب و في شأنكم عبرة للمعتبرين، هذا محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يدعو إلى الحق ببطن مكة و أنتم عنه لاهون، فأبصر الرجل رشده و هداه اللّه و أقبل إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أبقى لعقبه شرفا و كانوا يعرفون ببني مكلّم الذئب.
و منها أنّه كلّمه الذراع و قال: إنّي مسموم، و ذلك حين أهدته إليه اليهودية و قصّته معروفة.
و منها أنّه أطعم من القليل الجم الغفير (١) في غير موضع.
و منها أنّه شكا إليه قوم ملوحة بئرهم و قلّه مائها و أنّهم يجدون من الظمأ شدّة، فتفل فيها فغزر ماؤها و طاب و عذب، و أهلها يفخرون بها و يتوارثونها (٢).
و منها حديث الاستسقاء و ذلك حين شكا إليه أهل المدينة فدعا اللّه فمطروا حتّى أشفقوا من خراب دورها فسألوه في كشفه فقال: اللهمّ حوالينا و لا علينا (٣)، فاستدار حتّى صار كالإكليل و الشمس طالعة في المدينة و المطر يجيء على ما حولها يرى ذلك مؤمنهم و كافرهم. فضحك (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال: للّه درّ أبي طالب لو كان حيّا قرّب عيناه، فقام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) و قال: يا رسول اللّه كأنّك تريد قوله:
و أبيض يستسقى الغمام بوجهه * * * ثمال (٤) اليتامى عصمة للأرامل
يطوف به الهلاك من آل هاشم * * * فهم عنده في نعمة و فواضل
و منها انشقاق القمر و قصّته معروفة، و غير ذلك من إخباره بالمغيّبات و الكائنات ممّا هو مشهور في الكتب و السير و التواريخ لو تتبع و جمع لجاء في عدة مجلّدات و لتعذّر جمعه لكثرته وسعة أقطاره، و من أين و كيف يصف اللسان فضله و شرفه و هو خلاصة الوجود، أنكره من أنكره و عرفه من عرفه.
فأمّا أخلاقه و كرمه و شجاعته و فصاحته و أمانته و ذكره و شكره و عبادته و كرم عترته و شفقته و أدبه و رفقه و أناته و تجاوزه و بأسه و نجدته و عزمه و همّته و علمه و حكمته و زهده و ورعه و رضاه و صبره و فكره و اعتباره و تبصره و خوفه من ربّه
(١) الجم الغفير و الجماء الغفير أي جماعتهم الشريف و الوضيع الذين لا يعلم عددهم لكثرتهم.
(٢) و لمّا ادّعى مسيلمة النبوّة أتته امرأة و طلبت منه أن يدعو اللّه لمائها و نخلها كما دعى محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لهذا القوم في بئرهم، ففعل مسيلمة مثل ما فعله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و تفل في البئر فغار ماؤها و يبس النخل.
(٣) قال الجزري في حديث الاستسقاء: يريد اللّهمّ أنزل الغيث في مواضع النّبات لا في مواضع الأبنية.
(٤) الثمال بالكسر الغياث، يقال فلان ثمال قومه أي غياث لهم يقوم بأمرهم.