كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٤٩ - ما ظهر من معجزاته و آياته
أفلت من انشوطة (١) و كان رجلا داهية، علم أنّه سيكون له شأن فطلب منه أمانا، و قال لأبي بكر: أجب الذين يسألونك عنّا في الطريق فإنّه لا يجوز لي أن أكذب. فكان إذا سئل أبو بكر ما أنت؟ قال: أنا باغ (٢)، فإذا قيل من الذي معك؟ قال: هاد (٣) يهديني.
و منها حديث الغار و كان قريبا من مكة كان يعتوره الناس (٤) و يأوى إليه الرعاء (٥)، فخرجوا في طلبه فأعماهم اللّه عنه و حمى نبيّه من كيدهم و مكرهم و هم دهاة العرب و أصحاب تلك الأرض و العارفون بسبلها (٦) و مخارمها (٧) كما قيل أهل مكة أعرف بشعابها (٨). و في ذلك يقول السيّد الحميري رحمه اللّه:
حتّى إذا قصدوا لباب مغارة * * * ألفوا (٩) عليه مثل نسج العنكب (١٠)
صنع الإله لهم فقال فريقهم * * * ما في المغار لطالب من مطلب
ميلوا و صدّهم المليك و من يرد * * * عنه الدفاع مليكه لم يعطب
و بعث اللّه حمامتين وحشيتين فوقعتا بفم الغار، و أقبل فتيان قريش من كلّ بطن بعصيهم و سيوفهم حتّى إذا كانوا منه بمقدار أربعين ذراعا تعجّل رجل لينظر في الغار، فرجع فقالوا: مالك لا تنظر في الغار؟ فقال: رأيت بفمه حمامتين، و سمع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ما قال فدعا لهنّ.
و منها كلام الذئب و ذلك أنّ رجلا (١١) كان في غنمه فأخذ منه الذئب شاة فأقبل يعدو خلفه فطرحها، و قال بلسان فصيح: تمنعني رزقا ساقه اللّه إليّ؟! فقال الرجل: يا
(١) الأنشوطة: عقدة يسهل انحلالها يقال نشطت الحبل أنشطها أنشطه نشطا عقدته انشوطة و أنشطته أحللته يقال كأنّما نشط من عقال.
(٢) الباغي الذي ينشد الضالة أي يطلبها.
(٣) هو (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الهادي يهدي إلى طريق الرشاد و سبل الخيرات.
(٤) يعتوره الناس يقصدونه و يتداولونه.
(٥) الرعاء جمع راع.
(٦) السبل الطرق.
(٧) المخارم جمع مخرم بكسر الراء فهو منقطع أنف الجبل و هي أفواج الفجاج، و الفج الطريق الواسع بين الجبلين.
(٨) الشعاب جمع شعب و هو الطريق في الجبل.
(٩) ألفوا: وجدوا.
(١٠) العنكب: العنكبوت.
(١١) و في رواية ابن شهرآشوب أنّ ذلك الرّجل هو أبو ذر رضي اللّه عنه.