كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٤٨ - ما ظهر من معجزاته و آياته
و نقل الزمخشري في كتابه ربيع الأبرار عن هند بنت الجون قالت: نزل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) خيمة خالتها أمّ معبد، فقام من رقدته فدعا بماء فغسل يديه ثمّ تمضمض و مج في عوسجة (١) إلى جانب الخيمة فأصبحنا و هي كأعظم دوحة (٢)، و جاءت بثمر كأعظم ما يكون في لون الورس (٣) و رايحة العنبر و طعم الشهد، ما أكل منها جائع إلّا و شبع، و لا ظمآن إلّا روي، و لا سقيم إلّا برىء، و ما أكل من ورقها بعير و لا شاة إلّا درّ لبنها، و كنّا نسمّيها المباركة و ينتابنا (٤) من البوادي من يستشفي بورقها و يتزوّد منها حتّى أصبحنا ذات يوم و قد تساقط ثمرها و صغر ورقها، ففزعنا، فما راعنا إلّا نعي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ثمّ إنّها بعد ثلاثين سنة أصبحت ذات شوك، من أسفلها إلى أعلاها و تساقط ثمرها فذهب، فما شعرنا إلّا بمقتل أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه، فما أثمرت بعد ذلك و كنّا ننتفع بورقها، ثمّ أصبحنا و إذا بها قد نبع من ساقها دم عبيط و قد ذبل ورقها (٥)، فبينا نحن فزعون مهمومون إذ أتانا مقتل الحسين (عليه السلام) و يبست الشجرة على أثر ذلك و ذهبت، و العجب كيف لم يشتهر أمر هذه الشجرة كما اشتهر أمر الشاة في قصة هي من أعلام القصص (آخر كلامه).
و منها حديث سراقة حين أدركه عند توجّهه مهاجرا إلى المدينة ليتقرّب إلى قريش بأخذه و قتله، فلمّا ظنّ أنّه نال غرضه دعا عليه فساخت قوائم فرسه في الأرض حتّى تغيّبت بأجمعها و هو بموضع جدب (٦) و قاع صفصف (٧)، فقال: يا محمّد ادع ربّك يطلق قوائم فرسي و لك ذمّة اللّه عليّ أن لا أدلّ عليك أحدا، فدعا له فوثب كأنّما
(١) مج الشيء من فمه: رمى به. و عوسجة واحدة العوسج: جنس الشجرات من فصيلة الباذنجانيات، أغصانه شائكة و أزهاره مختلفة الألوان.
(٢) الدوحة: الشجرة العظيمة المتّسعة.
(٣) الورس: نبات حبّه كالسمسم أصفر يصبغ به و تتّخذ منه الغمرة أي الزعفران.
(٤) انتابهم انتيابا: أتاهم مرّة بعد أخرى. و انتاب زيد عمروا: قصده إليه.
(٥) دم عبيط: خالص طري. و ذبل النبات: قلّ ماؤه و ذهبت نضارته.
(٦) الجدب ضدّ الخصب.
(٧) القاع: المستوى من الأرض و كذلك الصفصف و الجمع أقوع و أقواع و قيعان، صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها.