كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٣٦٤ - فصل في ذكر مناقب شتّى و أحاديث متفرّقة أوردها الرواة و المحدّثون و أخبار و آثار دالّة على ما نحن بصدده من ذكر فضله
فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا عبد الرحمن إنّ اللّه تعالى قبض نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أنا يوم قبضه أولى بالناس منّي بقميصي هذا، و قد كان من نبي اللّه إليّ عهد لو خزمتموني بأنفي (١) لأقررت سمعا للّه و طاعة، و إنّ أوّل ما انتقصنا بعده إبطال حقّنا في الخمس (٢)، فلمّا رقّ أمرنا طمعت ريعان (٣) من قريش فينا، و قد كان لي على الناس حقّ لو ردّوه إليّ عفوا قبلته و قمت فيه إلى أجل معلوم، و كنت كرجل له على الناس حقّ إلى أجل، فإن عجّلوا له ماله أخذه و حمدهم عليه، و إن أخّروه أخذه غير محمودين، و كنت كرجل يأخذ السهولة و هو عند الناس محزن (٤) و إنّما يعرف الهدى بقلّة من يأخذه من الناس، و إذا سكت فاعفوني، فإنّه لو جاء أمر تحتاجون فيه إلى الجواب أجبتكم فكفّوا عنّي ما كففت عنكم، فقال عبد الرحمن: يا أمير المؤمنين فأنت لعمرك كما قال الأوّل:
لعمري لقد أيقظت من كان نائما * * * و أسمعت من كانت له أذنان
و عن الأصبغ بن نباتة قال: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) خطب ذات يوم فحمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، ثمّ قال: أيّها الناس اسمعوا مقالتي وعوا كلامي، إنّ الخيلاء من التجبّر (٥)، و النخوة من التكبّر، و إنّ الشيطان عدوّ حاضر يعدكم الباطل، ألا إنّ المسلم أخو المسلم فلا تنابزوا و لا تخاذلوا، فإنّ شرائع الدين واحدة، و سبله قاصدة، من أخذ بها لحق، و من تركها مرق، و من فارقها محق (٦)، ليس المسلم بالخائن إذا اؤتمن، و لا بالمخلف إذا وعد، و لا بالكذوب إذا نطق، نحن أهل بيت الرحمة و قولنا الحق و فعلنا القسط، و منّا خاتم النبيّين، و فينا قادة الإسلام و أمناء الكتاب، ندعوكم إلى اللّه و رسوله، و إلى جهاد عدوّه، و الشدّة في أمره، و ابتغاء رضوانه، و إلى إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و حجّ البيت، و صيام شهر رمضان، و توفير الفيء لأهله. ألا و إنّ أعجب العجب أنّ معاوية بن أبي سفيان الأموي و عمرو بن العاص السهمي يحرّضان الناس على طلب الدين بزعمهما، و إنّي و اللّه لم أخالف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قط،
(١) خزم أنف فلان أي أذلّه و سخره و اللفظ كناية.
(٢) و في نسخة «من الخمس».
(٣) ريعان كلّ شيء: أوّله.
(٤) أي أخذ الحزونة و هي الأرض الغليظ.
(٥) الخيلاء- بضم الأولى و فتح الثانية-: العجب و الكبر.
(٦) مرق من الدين: خرج منه ببدعة أو ضلالة. و المحق: نقص الشيء قليلا قليلا.