كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٢٢٠ - غزوة الفتح
أحد، فأعاد ثانية فقام حاطب و هو يرعد كالسعفة (١) و قال: أنا صاحب الكتاب، و ما أحدثت نفاقا بعد إسلامي و لا شكّا بعد يقيني، فقال له (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): فما الذي حملك على ذلك؟ فقال إنّ لي أهلا بمكّة و لا عشيرة لي بها، و خفت أن تكون الدائرة لهم علينا فيكون الكتاب كفّا لهم عن أهلي، و يدا لي عليهم، و لم يكن لشك منّي في الدين، فقال عمر: يا رسول اللّه، مرني بقتله فقد نافق، فقال: إنّه من أهل بدر و لعلّ اللّه اطّلع عليهم فغفر لهم، أخرجوه من المسجد، فجعل الناس يدفعونه في ظهره و يخرجونه و هو يلتفت إلى رسول اللّه ليرقّ له، فردّه و قال: قد عفوت عنك فاستغفر ربّك و لا تعد لمثل ما جنيت.
و هذه المنقبة لاحقة بمناقبه (عليه السلام) و فيها من جدّه في إخراج الكتاب من الامرأة و عزيمته في ذلك، و أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لم يثق في ذلك إلّا به، و أنفذ الزبير معه لأنّه في عداد بني هاشم من قبل أمّه صفيّة بنت عبد المطّلب، فأراد أن يتولّى سرّه أهله و كان للزبير شجاعة و فيه إقدام، و نسبه متّصل بنسب أمير المؤمنين (عليه السلام) فعلم أنّه يساعده على أمره و كان الزبير تابعا لعلي مع أنّه خالف الصواب في تنزيهها من الكتاب، فتدارك ذلك علي (عليه السلام) و في ذلك من الفضيلة و المنقبة ما تفرّد به و لم يشاركه فيه أحد، و قد ذكر هذه القضيّة بقريب من هذه الألفاظ جماعة غير المفيد.
و كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أعطى الراية يوم الفتح سعد بن عبادة، و أمره أن يدخل بها مكة أمامه فأخذها سعد و هو يقول:
اليوم يوم الملحمة * * * اليوم تستحل الحرمة
فقال بعض القوم للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أ ما تسمع ما يقول سعد؟ و اللّه إنّا نخاف أن تكون له اليوم صولة في قريش، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): أدرك يا علي سعدا فخذ الراية منه و ادخل بها أنت.
قلت: هكذا ذكره أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري في تاريخه، فاستدرك به (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ما كاد يفوت من صواب التدبير بتهجم سعد و إقدامه على أهل مكة، و علم أنّ الأنصار لا توافق على عزل سيّدها و أخذ الراية منه إلّا بمثل علي (عليه السلام). و لأنّ حاله في ذلك كما لو أخذها النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في جلالة قدره و رفيع مكانه، و هذا عزل خير من ولاية،
(١) السعفة: جريدة النخل.