كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ٢١٩ - غزوة الفتح
و إنجاز وعده في قوله: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ (١) إلى آخرها، و قوله تعالى:
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ (٢) الآية، و كانت الأعين إليها ممتدّة، و الرقاب متطاولة، و كتم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمره حين أرادها، و أخبر به عليّا (عليه السلام)، و كان شريكه في الرأي، و أمينه على السرّ، ثمّ عرف أبا بكر و جماعة من أصحابه بعد ذلك، و جرى الأمر في ذلك على حال ما زال أمير المؤمنين منفردا بالفضل فيها.
فمن ذلك أنّ حاطب بن أبي بلتعة و كان من أهل مكّة و شهد بدرا، كتب إلى أهل مكة كتابا بطلعهم على سرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و مسيرة إليهم، فجاء الوحي إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بما فعل، و كان أعطى الكتاب امرأة سوداء كانت وردت المدينة مستميحة (٣) و أمرها أن تأخذ على غير الطريق، فاستدعى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عليّا (عليه السلام) و قال: إنّ بعض أصحابي قد كاتب أهل مكة يخبرهم بخبرنا، و قد كنت سألت اللّه أن يعمي أخبارنا عليهم، و الكتاب مع امرأة سوداء و قد أخذت على غير الطريق، فخذ سيفك و ألحقها و انتزع الكتاب منها و خلّها وعد إليّ، و أنفذ الزبير معه فمضيا و أدركا الامرأة و سبق إليها الزبير و سألها عن الكتاب فأنكرته و حلفت، فقال الزبير: ما أرى معها كتابا يا أبا الحسن فارجع بنا إلى رسول اللّه نخبره ببراءة ساحتها، فقال أمير المؤمنين: يخبرني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّ معها كتابا و يأمرني بأخذه و تقول: لا كتاب معها، ثمّ اخترط سيفه (٤) و قال: و اللّه لئن لم تخرجي الكتاب لأضربنّ عنقك، فقالت: إذا كان كذلك فاعرض عنّي حتّى أخرجه، فأعرض بوجهه فكشفت وجهها و أخرجته من عقيصتها (٥) فأخذه أمير المؤمنين (عليه السلام) و صار إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).
فأمر أن ينادي بالصلاة جامعة، فنودي و اجتمعوا، ثمّ صعد المنبر و أخذ الكتاب فقال: أيّها الناس إني كنت سألت اللّه عزّ اسمه أن يخفي أخبارنا عن قريش، و إنّ رجلا كتب إلى أهله يخبرهم خبرنا، فليقم صاحب الكتاب و إلّا فضحه الوحي، فلم يقم
(١) النصر: ١.
(٢) الفتح: ٢٧.
(٣) استماحه: سأله أن يشفع له.
(٤) اخترط السيف: أخرجه من غمده.
(٥) العقيصة: الشعر المقعوص أي المشدود في القفا، و اصل العقص: اللى و ادخال أطراف الشعر في أصوله.