كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٨٩ - غزوة بدر
الشجعان، و راموا التأخر عنه لخوفهم منها و كراهتهم لها على ما جاء بمحكم الذكر في البيان، حيث يقول جلّ اسمه فيما قصّ من نبأهم على الشرح له و البيان: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ. يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَ هُمْ يَنْظُرُونَ (١) في الآي المتصل بذلك إلى قوله عزّ اسمه:
وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَ رِئاءَ النَّاسِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٢).
و كان من جملة خبر هذه الغزاة أنّ المشركين حضروا بدرا مصرّين على القتال، مستظهرين بكثرة الأموال و العدد و الرجال، و المسلمون إذ ذاك نفر قليل عددهم، و منهم من حضر كارها فتحدّتهم قريش بالبراز، ودعتهم إلى المصافة و النزال، و اقترحت الأكفاء و تطاولت الأبصار لمبارزتهم، فمنعهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و قال لهم: إنّ القوم دعوا الأكفاء منهم، ثمّ أمر عليّا بالبروز إليهم و دعا حمزة بن عبد المطلب و عبيدة ابن الحارث رحمهما اللّه تعالى و أمرهما أن يبرزا معه، فلمّا اصطفوا لم يثبتهم القوم لأنّهم كانوا قد تغفروا فسألوهم: من أنتم؟ فانتسبوا لهم، فقالوا: أكفاء كرام، و نشبت الحرب بينهم، و بارز الوليد أمير المؤمنين (عليه السلام) فلم يلبث أن قتله، و بارز عتبة حمزة رضي اللّه عنه فقتله حمزة، و بارز شيبة عبيدة فاختلف بينهما ضربتان، قطعت إحداهما فخذ عبيدة فاستنقذه أمير المؤمنين (عليه السلام) بضربة بدر بها شيبة فقتله، و شركه في ذلك حمزة.
فكان قتل هؤلاء الثلاثة أوّل و هن لحق المشركين و ذلّ دخل عليهم، ثمّ بارز أمير المؤمنين (عليه السلام) العاص بن سعيد بن العاص بعد أن أحجم عنه الناس فقتله، و برز إليه حنظلة بن أبي سفيان فقتله، و طعمة بن عدي فقتله، و قتل بعده نوفل بن خويلد و كان من شياطين قريش، و لم يزل (عليه السلام) يقتل واحدا بعد واحد حتّى أتى على شطر المقتولين منهم و كانوا سبعين قتيلا، تولّى المسلمون كافة و الملائكة قتل الشطر الأوّل و تولّى أمير المؤمنين الشطر الثاني وحده بمعونة اللّه إيّاه و توفيقه له، و كان الفتح له و بيديه و ختم الأمر بأن رماهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بكف من الحصاة و قال: شاهت الوجوه فانهزموا جميعا و ولّوا الدبر، و كفى اللّه المؤمنين القتال بأمير المؤمنين (عليه السلام) و شركائه في نصرة
(١) الأنفال: ٥- ٦.
(٢) الأنفال: ٤٧.