كشف الغمة في معرفة الأئمة - المحدث الإربلي - الصفحة ١٧٢ - في وصف زهده في الدنيا و سنّته في رفضها و قناعته باليسير منها و عبادته
و أمّي من لم ينخل له طعام، و لم يشبع من خبز البرّ ثلاثة أيّام حتّى قبضه اللّه عزّ و جلّ.
انظر هداك اللّه و إيّانا إلى شدّة زهده و قناعته، فإنّ إيراده الحديث و قوله (عليه السلام) من منع نفسه من طعام يشتهيه دليل على رضاه بطعامه و كونه عنده طعاما مشتهى يرغب فيه من يراه. و ما ذاك لأنّه (عليه السلام) لا يهتدى إلى الأطعمة المتخيرة و الألوان المعجبة، و لكنّه اقتدى برسول اللّه، و وطّن نفسه الشريفة على الصبر على جشوبة المأكل و خشونة الملبس، رجاء ما عند اللّه و تأسّيا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فصار ذلك له ملكة و طبيعة، و من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل.
و منه- و فيه دليل على ما قلته-
عن عدي بن ثابت قال: أتي علي بن أبي طالب (عليه السلام) بفالوذج فأبي أن يأكل منه و قال: شيء لم يأكل منه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لا أحب أن آكل منه.
و منه عن أبي مطر قال: خرجت من المسجد فإذا رجل ينادي من خلفي، ارفع إزارك فإنّه أتقى لثوبك و أبقى لك، و خذ من رأسك إن كنت مسلما، فمشيت خلفه و هو مؤتزر بإزار و مرتد برداء و معه الدرّة كأنّه أعرابي، فقلت: من هذا؟ فقال لي رجل: أراك غريبا بهذا البلد؟ قلت: أجل رجل من أهل البصرة، قال: هذا علي أمير المؤمنين حتّى انتهى إلى دار أبي معيط و هو سوق الإبل، فقال: بيعوا و لا تحلفوا، فإنّ اليمين تنفق السلعة و تمحق البركة ثمّ أتى أصحاب التمر فإذا خادمة (١) تبكي فقال: ما يبكيك؟
قالت: باعني هذا الرجل تمرا بدرهم فردّوه مواليّ فأبى أن يقبله، فقال: خذ تمرك و اعطها درهمها فإنّها خادمة ليس لها أمر، فدفعه، فقلت: أ تدري من هذا؟ قال: لا، قلت: علي ابن أبي طالب أمير المؤمنين، فصبّ تمره و أعطاها درهمها، و قال: أحب أن ترضى عنّي، فقال: ما أرضاني عنك إذا وفيتهم حقوقهم، ثمّ مرّ مجتازا بأصحاب التمر، فقال: يا أصحاب التمر أطعموا المساكين يربو كسبكم، ثمّ مرّ مجتازا و معه المسلمون حتّى أتى أصحاب السمك، فقال: لا يباع في سوقنا طاف، ثمّ أتى دار فرات و هو سوق الكرابيس (٢) فقال: يا شيخ، أحسن بيعي في قميصي بثلاثة دراهم، فلمّا
(١) الخادم يطلق على المذكر و المؤنث، فعن المطرزي أنّه قال: الخادم واحد الخدم غلاما كان أم جارية، و المراد هنا هو الثاني، و في بعض النسخ «خادمة».
(٢) جمع الكرباس.