ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى(ع) - الطبري، محب الدين - الصفحة ٣٦ - فضل قرابة رسول اللّه
ثمّ أرسل على فترة منهم رسولا عظيما، و نبيّا رحيما، يحرص على هداهم رحمة بهم، و يدعوهم إلى ما فيه سعادتهم، و حياتهم شفقة عليهم: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ التّوبة: ١٢٨، و ما كانت هذه الشّفقة، و لا تلك الرّحمة إلّا من فيض العطايا الرّبانية، و المنح الإلهية الّتي جاد بها على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لخير الإنسانيّة، و سعادة البشرية كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً الإسراء: ٢٠، و لذلك فإنّها تضاعف و تزداد في الآخرة إكراما لنبيّه، و تقديرا لسمو منزلته، و رحمة منه لعباده عزّ و جلّ وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً الأحزاب: ٤٣، و إذا كان يوم القضاء، و اشتد الكرب، و هال الأمر، و عظم الموقف، و تمنّى الخلائق أن لو انصرفوا من شدّة هذا الهول، و جلال القيامة، و زلزلة السّاعة، و فزع النّاس إلى الأنبياء و الرّسل، و أحالوهم بدورهم على نبيّ الرّحمة، و شفيع الأمّة، و مغيث الخلائق، تجلّت الرّأفة، و تدفقت الشّفقة، و تحركت العواطف للأخذ بيد المتوسلين، و إنقاذ المستشفعين، و الاستجابة للمستغيثين، و لا عجب فإنّه كعبة الفضل، و قبلة الرّجاء، و غاية الأمم، و محطّ الآمال، فالتوجّه، و الاستغاثة، و الاستشفاع به (صلّى اللّه عليه و آله)، و بغيره من الأنبياء، و الأولياء، و الصّالحين ليس له عند المسلمين، و في قلوبهم غير ذلك المعنى المشار إليه: قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً الزّمر: ٤٤، إنّه لم يعطها لما عبد من دونه، و لا لمن عبد و كان راضيا، فالقصر في هذه الآية إضافي، المراد منه نفي شفاعة الأوثان في عابديها، و نفي شفاعة جميع المعبودين في عابديهم.
فقد روى أحمد، و التّرمذيّ، و ابن ماجة عن أبي سعيد الخدريّ (قدس سرّه) قال: «أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة و لا فخر، و بيدي لواء الحمد و لا فخر ...» و روى البزار، و الطّبرانيّ عن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: «أشفع لأمّتي حتّى ينادي ربّي تبارك تعالى فيقول: قد رضيت يا محمّد؟
فيقول: إي ربّي رضيت». انظر، صحيح الإمام مسلم: ١/ ١٣٤ مطبعة محمّد عليّ صبيح و أولاده و طبعة مصر، و المستدرك على الصّحيحين للإمام الحافظ أبي عبد اللّه الحاكم النّيسابوريّ، و بذيله التّلخيص للحافظ الذّهبي: ١/ ٦٦ طبعة دار المعرفة، بيروت لتجد الكثير عن بحث الشّفاعة.
و انظر، السّيرة النّبويّة لابن هشام: ٢/ ٥٩، دار إحياء التّراث العربيّ بيروت، تهذيب سنن أبي داود باب الشّفاعة، ح ٤٧٣٠. و قد تضمّنت أحاديث الشّفاعة خمسة أنواع من الشّفاعة، و هي:
«١» الشّفاعة العامّة الّتي يرغب فيها النّاس إلى الأنبياء، نبيّا بعد نبي حتّى يريحهم اللّه من مقامهم.