ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى(ع) - الطبري، محب الدين - الصفحة ٣٥٧ - ذكر اختصاصه بإعطائه الرّاية يوم خيبر و فتحها على يديه
سهامهم دون أن يخرج منهم رجل واحد للقتال في السّهل المكشوف.
فدعا محمّد إليه عليّ بن أبي طالب، و قال له: «خذ هذه الرّاية، فتح اللّه عليك». و قرّر عليّ أن يحمل جنود اليهود على الخروج إلى السّهل ...
و خلع عليّ عنه الدّرع، ليكون خفيف الحركة، و طالب رجاله أن يتخففوا من الدّروع الّتي تثقلهم ليكونوا أخفافا ... و انصرف و في ذهنه وصيّة قائده محمّد: انفذ على رسلك، حتّى تنزل بساحتهم، ثمّ ادعهم إلى الإسلام، فإن لم يطيعوا فقاتلهم، فو اللّه لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك من حمر النّعم.
و صمّم عليّ أن يدعوهم إلى الإسلام لعلهم يستجيبون ...
و تقدّم فدعاهم إلى الإسلام، و لكنّهم سخروا به.
فطالبهم أن يحاربوا المسلمين رجلا لرجل، و بعثوا إليه شجعانهم ليبارزهم هو بنفسه. و خرج إليه الحارث أحد شجعانهم، فصرعه عليّ، و خرج إليه رجل آخر فصرعه، و إذ ذاك تعالت من المسلمين صيحات السّخرية بقوّة شجعان اليهود، و سأل عليّ شجعان خيبر أن يبعثوا إليه برجل يثبت في المعركة، و خرج إليه مرحب، و كان هو حقّا سيّد فرسان خيبر.
خرج إلى عليّ بطينا في كبرياء، و ثقة مطمئنة، مهيبا ضخما بيده حربة مخيفة ذات ثلاثة رءوس، و كلّ جسده الفارع الشّاهق في الزّرد، و الحديد يغطّي رأسه و ساقيه، و ليس في كلّ بدنه ثغرة ينفذ منها سيف العدوّ ...
و تقدّم إليه عليّ بقامته المعتدلة بلا درع، في يده السّيف وحده، و توقع المسلمون و اليهود جميعا أنّها نهاية عليّ .. و لكنّ عليّ استطاع أن يحسن الاستفادة من تخففه من الدّرع و الزّرد، و ترك عليّ مرحبا يتقدّم إليه بدروعه و زروده و حربته ... حتّى إذا أوشك سن الحربة أن يمس صدر عليّ تراجع عليّ فجأة، ثمّ قفز في الهواء متفاديا حربة مرحب، ثمّ اقتحم و أهوى بكلّ قوّته على رأس مرحب بالسّيف، و انفلق الحديد من على رأس مرحب، و سقط سيف عليّ على الجمجمة فشقّها نصفين، و هوى مرحب وسط ذعر اليهود و عجبهم، و صيحات النّصر ترتفع من معسكر المسلمين.
و اندفع عليّ إلى باب الحصن هو و رجاله يدكونه بكلّ طاقاتهم، حتّى اقتحموه، و اليهود الّذين أذهلهم موت مرحب يفرون فزعين إلى حصن آخر. غير أنّ المقاومة لم تدم طويلا ... فقد أعلن اليهود أنّهم مستعدون للاستسلام».