ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى(ع) - الطبري، محب الدين - الصفحة ٣٢٥ - ذكر أنّه من كان النّبيّ
إنّ لفظة «منّي» في حديث المنزلة «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه ليس نبيّ بعدي» كما ذكر ذلك البخاريّ في صحيحه: ٢/ ٢٠٠، و صحيح مسلم: ٧/ ١٢٠، و التّرمذي: ١٣/ ١٧١، و الطّيالسي: ١/ ٢٨/ ٢٠٥ و ٢٠٩ و ٢١٣، و ابن ماجة: ح ١١٥، و أحمد في مسنده: ١/ ١٧٠ و ١٧٣ و ١٧٥ و ١٧٧ و ١٧٩ و ١٨٢ و ١٨٤ و ١٨٥ و ٣٣٠، و: ٣/ ٣٢ و ٣٣٨، و: ٦/ ٣٦٩ و ٤٣٨، و مستدرك الحاكم: ٢/ ٣٣٧، و طبقات ابن سعد: ٣/ ١ و ١٤ و ١٥، و مجمع الزّوائد للهيثمي: ٩/ ١٠٩ و في لفظ آخر لمسلم «إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» فلفظة «منّي» توضّح المراد من المعنى، و ذلك أنّ هارون لمّا كان شريكا لموسى في النّبوّة، و وزيره في التّبليغ، و كان عليّ (عليه السلام) من خاتم الأنبياء (صلّى اللّه عليه و آله) كذلك باستثناء النّبوّة، فتبقى لعلي (عليه السلام) الوزارة في التّبليغ، و كذلك لأولاده: في حمل أعباء التّبليغ إلى المكلّفين مباشرة، و لذا فهم منه (صلّى اللّه عليه و آله) و هو منهم، يشتركون في التّبليغ و يختلفون في أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) يأخذ الأحكام الّتي يبلّغها من اللّه عن طريق الوحي، و هم يأخذونها عن طريق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فهم مبلّغون عن رسول اللّه إلى الأمّة. و قد أعدّهم اللّه و رسوله لحمل أعباء التّبليغ، و ذلك بما عصمهم من الرّجس و طهّرهم تطهيرا كما ورد في الآية الكريمة.
و لهذا فإنّ الرّسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) كان مدركا أنّ قومه حديثو عهد بالجاهليّة، و أنّهم طالما عارضوا أحكامه و قراراته عدّة مرّات كما حدث في صلح الحديبيّة، و احد و حنين و أثناء مرضه (صلّى اللّه عليه و آله) في الكتاب و الدّواة و سريّة اسامة و صلاة الجمعة أثناء إقبال العير المحمّلة بالبضاعة. و لذا نجد أنّ عملية التّبليغ الّتي نفّذها النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قد جرت أمام عشرات الآلاف من المسلمين، و أنّ استثناء النّبوّة جاء لئلّا يتوهم متوهم أنّ اللّه تعالى قد جعل لعليّ الشّركة في النّبوّة. و إننا نعلم أنّ الإمامة موقوفة على تنصيص اللّه سبحانه و تعالى كما أنّ النّبوّة موقوفة على تنصيص الباري عزّ و جلّ.
كما أنّ الأمر بالتّبليغ جاء فيه تهديد وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ و إعلامه (صلّى اللّه عليه و آله) و إعلام غيره ما لهذا الحكم من الأهمّية بحيث إذا لم يصل الحكم، و حاشا للنّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أن لا يبلّغ ما أمره اللّه سبحانه و تعالى، أمّا قوله تعالى وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ لفظ النّاس اعتبارا بسواد الأفراد الّذي فيه المؤمن و المنافق و الّذي في قلبه مرض، فالعصمة هنا بمعنى الحفظ و الوقاية من شرّ هؤلاء.
و بالتّالي فالمعنى يكون: من كنت متقلّدا لأمره و قائما به فعليّ متقلّد أمره و القائم به، و هذا صريح في زعامة الأمّة و إمامتها و ولايتها، و ثبت لعليّ ما ثبت لرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من الولاية العامّة و الزّعامة