ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى(ع) - الطبري، محب الدين - الصفحة ٢٠٠ - ذكر ما ظهر لها من الكرامة على اللّه عزّ و جلّ، و أنّها أعزّ النّاس عليه
قال: أمّا إذا أبيت فو الّذي أكرم محمّدا بالنّبوّة ما أزعجني من رحلي إلّا الجهد و لقد تركت أهلي يبكون جوعا، فلمّا سمعت بكاء العيال لم تحملني الأرض، فخرجت مغموما راكبا رأسي [١] فهذه حالتي، و قصّتي.
فهملت عينا عليّ بالبكاء حتّى بلّت دموعه لحيته، ثمّ قال: أحلف بالّذي حلفت به ما أزعجني غير الّذي أزعجك، و لقد اقترضت دينارا، فهاك و أوثرك به على نفسي، فدفع له الدّينار، و رجع حتّى دخل على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فصلّى الظّهر، و العصر، و المغرب، فلمّا قضى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) صلاة المغرب مرّ بعليّ في الصّفّ الأوّل، فغمزه برجله، فسار خلف النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) حتّى لحقه عند باب المسجد، ثمّ قال:
«يا أبا الحسن، هل عندك شيء تعشّينا به؟» فأطرق عليّ لا يحير [٢] جوابا حياء من النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قد عرف الحال الّذي خرج عليها.
فقال له النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «إمّا أن تقول: لا، فننصرف عنك، أو نعم، فنجيء معك؟
فقال له: حبّا و تكريما اذهب بنا، و كأنّ اللّه- سبحانه و تعالى- قد أوحى إلى نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن تعشّ عندهم. فأخذ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بيده فانطلقا، حتّى دخلا على فاطمة (عليها السلام) في مصلّاها (و قد صلّت) [٣] و خلفها جفنة تفور دخانا، فلمّا سمعت كلام النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) خرجت من المصلّى، فسلّمت عليه- و كانت أعزّ النّاس عليه- فردّ (عليها السلام)، و مسح بيده على رأسها، و قال: «كيف أمسيت؟ عشّينا غفر اللّه
[١] قال الزّمخشري في أساس البلاغة، ركب رأسه: مضى على وجهه بغير رويّة و لا يطيع مرشدا. انظر، الغريب لابن قتيبة: ١/ ٦٠٤، الغريب لابن سلّام: ٣/ ٣٦٤.
[٢] في نسخة التّيموريّة «لا يحر».
[٣] ما بين القوسين من نسخة الظّاهريّة.