بداية الوصول في شرح كفاية الأصول - آل راضي، الشيخ محمد طاهر - الصفحة ٣٥٢ - فصل اذا نسخ الوجوب فلا دلالة على بقاء الجواز
.....
و مما ذكرنا ظهر: انه لا وجه لإرادة الجواز بالمعنى الاخص لأن الجواز الموجود في ضمن الوجوب حصة غير الحصة الموجودة في الجواز بالمعنى الاخص.
و أما الدليل المنسوخ فغاية ما يمكن ان يقال في توجيه دلالته على ثبوت الجواز ان اللفظ الدال على معنى مركب له دلالتان: مطابقية و تضمنيّة، فهو يدل على الجواز و المنع من الترك بالدلالة المطابقية، و يدل على الجواز بالدلالة التضمنية، و الناسخ انما دل على رفع دلالته المطابقية فتبقى دلالته التضمنية على الجواز.
و فيه أولا: ان الدلالة التضمنية انما هي من توابع المطابقية، و بعد ارتفاع الدلالة المطابقية بالنسخ لا تبقى الدلالة التضمنية لانها تبع لها، و بعد ارتفاع المتبوع لا معنى لبقاء التابع.
و ثانيا: ان الدلالة التضمنية التي كانت في ضمن الدلالة المطابقية هي الدلالة على حصة من الجواز و لم يكن هناك دلالة تضمنية على الجواز بمعناه الكلي، اذ ليس الكلي بما هو كلي جزءا من المركب و انما جزء المركب حصة منه. و من الواضح- أيضا- انه لا دلالة تضمنية على حصة اخرى من الجواز حتى يثبت الجواز بالمعنى الأخص، و الحصة التي كانت في ضمن المركب الوجوبي لا بد من ارتفاعها، اذ لا إشكال في ان هذه الحصة من الجواز غير الحصة الاخرى الموجودة في ضمن غيره من الاباحة و الاستحباب.
فاتضح: انه لا دلالة لكل من الدليل الناسخ و المنسوخ على بقاء الجواز بمعناه الأعم و لا بمعناه الاخص. و اتضح- أيضا- مما ذكرنا انه لا دلالة لهما على ثبوت غير الجواز من الاحكام: من الاستحباب و الكراهة و الحرمة.
اما الاستحباب فلأن فصل الجواز فيه امر وجودي و هو رجحان الفعل على الترك، و لا ينبغي ان يتوهم دلالة دليل الناسخ الرافع للوجوب على بقاء الجواز متفصّلا بفصل وجودي. و كذلك الكراهة فإن فصلها أيضا الرجحان، غايته انه للترك على الفعل، و لا دلالة لدليل الناسخ على بقاء الجواز متفصّلا بفصل رجحان