المراجعات - شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين - الصفحة ٤٨٩ - المراجعة ١٠٢
المسلمين ـ على ساق، والرومان والأكاسرة والقياصرة وغيرهم، كانوا للمسلمين بالمرصاد، الى كثير من هذه العناصر الجياشة بكل حنق من محمد وآله وأصحابه، وبكل حقد وحسيكة لكلمة الاسلام تريد أن تنقض أساسها وتستأصل شأفتها، وإنها لنشيطة في ذلك مسرعة متعجلة، ترى أن الأمر قد استتب لها، والفرصة ـ بذهاب النبي الى الرفيق الأعلى ـ قد حانت فأرادت أن تسخر الفرصة، وتنتهز تلك الفوضى قبل أن يعود الاسلام الى قوة وانتظام، فوقف علي بين هذين الخطرين، فكان من الطبيعي له أن يقدم حقه قرباناً لحياة المسلمين[١] ، لكنه أراد الاحتفاظ بحقه في الخلافة، والاحتجاج على من عدل عنه بها على وجه لا تشق بهما للمسلمين عصاً، ولا تقع بينهم فتنة ينتهزها عدوهم، فقعد في بيته حتى أخرجوه كرهاً بدون قتال، ولو أسرع اليهم ما تمت حجة، ولا سطع لشيعته برهان، لكنه جمع فيما فعل بين حفظ الدين والاحتفاظ بحقه من خلافة المسلمين، وحين رأى أن حفظ الاسلام، ورد عادية أعدائه موقوفان في تلك الأيام على الموادعة والمسالمة، شق بنفسه طريق الموادعة، وآثر مسالمة القائمين في الأمر احتفاظاً بالأمة، واحتياطاً على الملة، وضناً بالدين، وإيثاراً للآجلة على العاجلة، وقياماً بالواجب شرعاً وعقلاً من تقديم الأهم ـ في مقام التعارض ـ على المهم، فالظروف يومئذٍ لا تسع مقاومة بسيف، ولا مقارعة بحجة(*) .
[١] وقد صرح (عليه السلام) بذلك في كتاب له بعثة الى أهل مصر مع مالك الأشتر لما ولاه امارتها اذ قال: أما بعد، فان الله سبحانه بعث محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم)، نذيراً للعالمين ومهيمناً على المرسلين، فلما مضى (عليه السلام)، تنازع المسلمون الأمر من بعده، فوالله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أن العرب تزعج هذه الأمر من بعده (صلى الله عليه وآله وسلم)، عن أهل بيته، ولا أنهم منحوه عني من بعده، فما راعني الا انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الاسلام يدعون الى محق دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فخشيت أن لم أنصر الاسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولايتكم، التي انما هي متاع أيام قلائل يزول منها ما كان، كما يزول السراب أو كما يتقشع السحاب، فنهض في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأن الدين وتنهنه، الى آخر كلامه، فراجعه في نهج البلاغة.
(*) وللدكتور سعيد عاشور المصري محاضرة قيمة جداً ألقاها في جامعة الكويت موضوعها: كتابة التاريخ من جديد، وتعرض فيها الى جلوس أمير المؤمنين عن الخلافة، فعلى الباحثين أن يقفوا عليها فهي جديرة بالاهتمام وهي منتشرة بصوته ومطبوعة أيضاً.