المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٩٣ - أُصول النظرية المادية التاريخية
بالفعل ، إلاّ أنّه يتحرك من ذاته بصورة ديناميكية نحو مجموعة من الإدراكات الأولية تسمّى البديهيات الأولية ، ونحو مجموعة من القيم المتعالية التي هي مقاييس الإنسانية . وبعد اكتساب الذهن مجموعة من التصورات البسيطة ـ التي تعد مادة أولية للتفكير ، وباصطلاح الفلسفة ( المعقولات الأُولى ) ـ تنمو تلك الأُصول في صورة مجموعة من التصديقات النظرية أو العلمية ، وكذلك تبرز تلك العقائد الدفينة .
وبناءاً على النظرية الأُولى فالحكم ـ مثلاً ـ بأنّ ٤ = ٢ × ٢ في وضعنا الحاضر واعتباره حكماً مطلقاً يشمل جميع الأزمنة والأمكنة ، إنّما هو في الواقع وليد الوضع الاجتماعي الخاص . فهذا المجتمع وهذه الأوضاع الخاصة هي التي أمدتنا بهذا الحكم ، فهو رد فعل الإنسان في هذه الأوضاع . وفي الواقع هو صوت سجل في هذا المجتمع ، ومن الممكن أن يكون الحكم في مجتمع آخر وبيئة أُخرى : ٢٦ = ٢ × ٢ مثلاً .
ولكن بناءاً على النظرية الثانية ، فالذي يمنحه المجتمع للإنسان هو تصور الأعداد ٢ ، ٤ ، ٨ ، ١٠ ونظائرها . وأمّا الحكم بأنّ ٢ × ٢ = ٤ ، وأنّ ٥ × ٥ = ٢٥ وغيرهما ، فهو مقتضى التركيب الروحي للإنسان ، ويستحيل أن يكون بوجه آخر ، كما أنّ العقائد الإنسانية في طريق التكامل أيضاً من لوازم روحه في أصل الخلقة [١] .
[١] لمزيد من الإطلاع في مبحث الفطرة كتاب ( أُصول فلسفة وروش رئاليسم ) خصوصاً المقالة الخامسة ( ظهور الكثرة في المدركات ) ، وتفسير الميزان ج / ٨ مبحث أخذ الميثاق ، وج١٦ في الكلام حول معنى الفطرة في الدين ، وكذا سائر المباحث الإجمالية الأُخرى المتفرّقة في كثير من مواضع هذا التفسير الكبير .