المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٢١١ - تطوّر التاريخ وتكامله
مجهولاً . فلو افترضنا أنّ عنصراً خاصاً من البشر هو المؤثر في تطوّر التاريخ ، فهذا الافتراض لا يختلف عن افتراض مشاركة جميع العناصر فيه من جهة حل المشكلة ، إذ يبقى السؤال عن سر تطوّر الحياة الاجتماعية للإنسان دون سائر الحيوانات بلا جواب .
وكذلك النظرية الجغرافية ، فهي أيضاً ترتبط بمسألة اجتماعية مفيدة ، وهي تأثير البيئات في النمو العقلي والفكري والذوقي والجسمي للبشر ، فبعضها تنزّل من شأن الإنسان إلى درجة الحيوانية أو قريباً منها . ولكن بعضها الآخر تبعد الإنسان عن الخصائص الحيوانية . وطبقاً لهذه النظرية فالتاريخ لا يتحرك إلاّ في أقاليم ومناطق خاصة ، وهو راكد وثابت في بيئات ومناطق أُخرى ، ويشبه هناك حياة الحيوانات . ولكن يبقى السؤال الأول على حاله وهو أنّ النحل وسائر الحيوانات الاجتماعية تفقد حركة التاريخ حتى في المناطق الخاصة المذكورة . فما هو العامل الأساس الذي هو سبب اختلاف هذين النوعين من الحيوان ، حيث يبقى أحدهما ثابتاً والآخر متنقّلاً من مرحلة إلى أُخرى ؟ .
وأسوأ من الجميع النظرية الإلهية . فإنّ العالم كلّه من البدو إلى الختام بجميع أسبابه وعلله ومقتضياته وموانعه مظهر لإرادة الله تعالى ، ولا يختصّ ذلك بالتاريخ . ونسبة الإرادة الإلهية إلى جميع الأسباب والعلل في العالم على سواء . فكما أنّ الحياة المتطورة المتكاملة للإنسان مظهر لمشيئة الله تعالى ، كذلك الحياة الجامدة الثابتة للنحل مثلاً . إنّما البحث في مشيئة الله حينما تعلقت بإيجاد الحياة البشرية ، بأيّ نظام جعلتها متطورة متكاملة ؟ وما هو ذلك السر الفارق بين حياة الإنسان وحياة سائر الحيوانات ؟