المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٥٥ - المجتمعات في المستقبل
حكومة ما في فرضية الدين بجميع موادها وصورها وغاياتها ، ممّا لا يقبله طبع النوع الإنساني ، ولن يقبله أبداً ...
وذلك أنّك عرفت أنّ الإسلام ، بالمعنى الذي نبحث فيه ، غاية النوع الإنساني وكماله الذي هو بغريزته متوجّه إليه ، شعر به تفصيلاً أو لم يشعر ، والتجارب القطعية الحاصلة في أنواع المكوّنات يدل على أنّها متوجّهة إلى غايات لوجوداتها ، يسوقها إليها نظام الخلقة ، والإنسان غير مستثنى من هذه الكلّيّة [١] ! .
ومع ذلك فهناك مَن يدّعي أنّ الإسلام لا يريد أبداً وحدة الثقافات والمجتمعات الإنسانية ولا اتحادها ، بل يقول بتعدد الثقافات والمجتمعات ، ويؤيّد تنوّعها ويقرّها على ذلك . يقولون : إنّ شخصية كل شعب وهويّته وذاتيّته ليست إلاّ ثقافة ذلك الشعب وروحه الجماعية ، وهي تصنع تاريخه الخاص بحيث لا يشاركه فيه غيره من الشعوب ، كما تصنع طبيعة الإنسان ونوعيّته وتاريخ ثقافته ، بل تصنع في الواقع شخصيته وذاته الواقعية . كل شعب له ثقافته الخاصة بماهيّتها الخاصة ، ومذاقها الخاص ، وسائر خصائصها ، وهذه الثقافة قوام شخصية الشعب ، والدفاع عنها دفاع عن هوية الشعب ، وكما أنّ هوية الفرد وشخصيته ترتبط به ، ولا يمكن تركها وقبول هوية وشخصية أُخرى إلاّ بسلب نفسه عن نفسه ومسخها ، كذلك ثقافة الشعب التي أصبحت قوامة في طول التاريخ ، فلا يمكن تركها وتقبّل أي ثقافة أُخرى أجنبية .
ومن هنا نجد أنّ كل شعب يختص بنوع من الإحساس والفهم والذوق والاستحسان والتأثّر والأدب والموسيقى والتقاليد والسنن ، فيستحسن
[١] نفس المصدر ص١٣١ ـ ١٣٢ .