المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٥٣ - المجتمعات في المستقبل
المجتمع أثره . ذلك الانشعاب الذي عامله الأصلي البدوية ، والعيش بعيشة القبائل والبطون ، أو اختلاف منطقة الحياة والوطن الأرضي ، وهذان ـ أعني البدوية واختلاف مناطق الأرض في طبائعها الثانوية من حرارة وبرودة وجدب وخصب وغيرها ـ هما العاملان الأصليان لانشعاب النوع الإنساني شعوباً وقبائل ، واختلاف ألسنتهم وألوانهم على ما بيّن في محلّه . ثم صارا عاملين لحيازة كل قوم قطعة من قطعات الأرض ، على حسب مساعيهم في الحياة وبأسهم وشدّتهم وتخصيصها بأنفسهم ، وتسميتها وطناً يألفونه ويذبون عنه بكل مساعيهم . وهذا وإن كان أمراً ساقهم إلى ذلك الحوائج الطبيعية التي دفعتهم الفطرة إلى رفعها ، غير أنّ فيه خاصة تنافي ما يستدعيه أصل الفطرة الإنسانية من حياة النوع في مجتمع واحد ، فإنّ من الضروري أن الطبيعة تدعو إلى اجتماع القوى المتشتّتة وتألّفها وتقوّيها بالتراكم والتوحّد ؛ لتنال ما تطلبه من غايتها الصالحة بوجه أتم وأصلح ؛ وهذا أمر مشهود من حال المادة الأصلية حتى تصير عنصراً ثم ... ثم نباتاً ثم حيواناً ثم إنساناً .
والانشعاب بحسب الأوطان تسوق الأُمّة إلى توحّد في مجتمعهم يفصله عن المجتمعات الوطنية الأُخرى ، فيصير واحداً منفصل الروح والجسم عن الآحاد الوطنية الأُخرى ؛ فتنعزل الإنسانية عن التوحّد والتجمّع وتبتلي من التفرّق والتشتّت بما كانت تفرّ منه ، ويأخذ الواحد الحديث يعامل سائر الآحاد الحديثة ( أعني الآحاد الاجتماعية ) بما يعامل به الإنسان سائر الأشياء الكونية من استخدام واستثمار وغير ذلك . والتجريب الممتد بامتداد الأعصار منذ أول الدنيا إلى يومنا هذا يشهد بذلك ، وما نقلناه من الآيات في مطاوي الأبحاث السابقة يكفي في استفادة ذلك من القرآن الكريم .