المجتمع والتاريخ - المطهري، الشيخ مرتضى - الصفحة ٢٦٦ - ١ ـ إستراتيجية الدعوة
وإلى تغيير فكري . صحيح إنّ التوحيد يستوعب جميعَ التعاليم والأفكار الإسلامية ، لكنّ الدعوة إلى التوحيد في بداية مراحل نبوّة الرسول لم تكن تستهدف أكثر من نبذ الشرك في المعتقدات والعبادات ، وتوجيه الناس إلى التوحيد الفكري والعبادي ، والناس في بداية الدعوة ما كانوا يستوعبون أكثر من هذه الأبعاد التوحيدية .
هذه التوعية التي تنفذ إلى أعماق فطرة البشر ، تخلق في النفوس حميّة الدفاع عن العقيدة ، واندفاعاً نحو نشرها ، وبذلاً للغالي والنفيس على طريقها .
الأنبياء بدأوا ممّا أُطلق عليه في عصرنا اسم البناء الفوقي ؛ ليصلوا إلى البناء التحتي . مدرسة الأنبياء نظرت إلى الإنسان أنّه موجود مرتبط بعقيدته ورسالته وإيمانه أكثر من ارتباطه بمصالحه . أي إنّ الفكر والعقيدة في هذه المدرسة بناء تحتي ، والعمل ، أي ارتباط الإنسان بالطبيعة ومواهب الطبيعة والمجتمع ، بناء فوقي .
الدعوة الدينية ينبغي أن تسلك طريق الأنبياء ، أي أن يرافقها تذكير مستمر بالمبدأ والمعاد ، الأنبياء دفعوا المجتمع نحو التحرّك بإيقاظ هذا الإحساس ، وتفجير هذه المشاعر ، ونفضِ الغبار عن هذا الوجدان ، وبثّ هذه التوعية بالاستناد إلى رضا الله وأوامره وجزائه .
في القرآن وردَت كلمة رِضوان في ثلاثة عشرَ موضعاً ، وهي نقطة التركيز المعنوي في الرسالات الإلهية من أجل دفع المجموعة المؤمنة . وهذه التوعية يمكن أن نسمّيها توعية إلهية أو توعية كونية .
التوعية الإنسانية تحتل المرتبة الثانية في التعاليم الإسلامية ، وهي تتجه إلى تحسيس الإنسان بكرامته وشرفه وعظمته ، فالإنسان ـ في نظر المدرسة الإسلامية ـ ليس بالحيوان الذي يعود وجوده إلى فوزه على سائر