العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٧٩ - الفصل الثالث في ذكر بعض فوائد هذه السورة على سبيل الاختصار و الإيجاز
و عن الحسن [البصري] أنّه قال: نطفة مشجت بالدم و ذلك الدم دم الحيض، فإذا حملت المرأة ارتفع الحيض.
و عن أسامة بن زيد عن أبيه [أنّه] قال: العروق الّتي في النطفة.
و قال المبرّد: واحد الأمشاج مشج مثل حجر و أحجار يقال: مشج يمشج إذا اختلط و هو هاهنا اختلاط النطفة بالدم.
و قال الشماخ [معقل بن ضرار] في مشج:
طوت أحشاء مرتجة لوقت* * * على مشج سلالته مهين
و يقال: واحد الأمشاج: مشج و مشيج كلاهما مثل خدر و خدير، و خلّ و خليل.
فإن قيل: كيف انتظام قوله: نَبْتَلِيهِ بما قبله و ما بعده؟
قلنا: فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون نَبْتَلِيهِ ممثّلا بالمستقبل و معناه الماضي، أراد: ابتليناه فجعلناه سميعا بصيرا، و ذلك لموافقة قوله: خَلَقْنا و قوله: فَجَعَلْناهُ.
و الثاني: أن يكون معناه: فجعلناه سميعا بصيرا لنبتليه. فلمّا قدّمه على موضعه حذف اللام، و مثل هذا قوله: قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي [٦٤/ الزمر: ٣٩] و معناه أن أعبد فلمّا حذف «أن» رفع الفعل.
و الثالث: قال الجرجاني صاحب كتاب النظم في قوله نَبْتَلِيهِ: الابتلاء:
الاختبار، و لا يجوز أن يكون ذلك منتظما بالأمشاج من وجهين/ ٨٩/:
أحدهما: أنّ الأمشاج جمع مشج، و المشج الخلط يقال منه: مشجه يمشجه مشجا، و إن كان منتظما بها لوجب أن يقال: نبتليها، و الوجه فيه أنّ الابتلاء لا يقع إلّا على إنسان يعقل فهو منتظم بالإنسان على تأويل «إنّا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج لنبتليه» و هذه اللام لام كي و هي تنصب الأفعال المضارعة إذا ظهرت فإذا أضمرت لم يكن لها عمل كما قال [اللّه تعالى]: وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [٦/ المدّثّر:
٧٤] يعني لتستكثر، فلمّا أضمره و لم يظهره رفع قوله: تَسْتَكْثِرُ، و هذه اللام إذا وقعت على فعل مستقبل صارت مشبهة بالحال لأنّك إذا قلت: قمت لأضربك و قمت لأضرب زيدا فكأنّك قلت: قمت ضاربا زيدا، لأنّ في قولك: أنا ضارب زيدا معنى استقبال الفعل على تأويل أنا أضرب زيدا.