العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٥٤ - الفصل الأوّل في ذكر النزول
قالوه بأفواههم لكان ذلك من جملة المنّ و الأذى و السمعة و الرياء [١]، و كما عاب اللّه تعالى المنافقين بما أسرّوه و تمنّوا بقلوبهم في المؤمنين، فكذلك مدح اللّه سبحانه هؤلاء الأشراف بما اعتقدوا [من] الحقّ اليقين.
و أما الجواب عن قولهم: «لم يذكر أصحاب التفسير هذه القصّة في تفاسيرهم كما تدّعونها».
فهو إنّا نقول لهم: و ما الّذي يضرّنا [إن صحّ ما ذكرتم]؟ فإنّها لشهرتها في الخاص و العام و الداني و القاصي من الأنام أغنت عن تدوينها في التفاسير، و إثباتها عن النفر اليسير، و ربما/ ٦٧/ يمنع بعض الناس إثبات شيء و تدوينه شيوع ذلك و ظهوره، و لعلّ هذه العلّة حملتهم على ذلك، كما أنّ ابن مسعود و هو عالم الأمّة و المصباح؟ و سمع الأمّة الّذي قال صلى اللّه عليه: «من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ بقراءة ابن أمّ عبد» و هو مع هذا فإنّه لم يكتب المعوّذتين في مصحفه لهذه العلّة لشهرتهما بين النّاس، و ولوع الناس على تعلّمهما، لأنهما نزلتا في أمر عظم ذلك عند المسلمين و فزعوا إليهما عن الوقوع بهم مثل ما وقع بالرسول (عليه السّلام) من القوم المجرمين [٢]، فلم يكن غنيّهم و فقيرهم و شريفهم و
[١] ذكر ذلك باللسان أيضا لا يلازم المنّ و الأذى، إذ المنفق للّه يقول ذلك و يريد: إنّ الإنفاق على مثلكم يحبّه اللّه و يكون من موجبات التقرّب إلى اللّه و جلب مرضاته.
[٢] إنّ المسلمين لم يكونوا في عصر النبي متأثرين باختلاقات حشويّة العامّة الّذين أخذوا المعلومات بعد عصر النبي عن الجهال أو المنافقين كحريز الحمصي و أساتذته و تلاميذه كي يكون سبب ولوعهم بحفظ المعوذتين عدم الوقوع في محذور السحر كما توهّمه ناقلوا هذا الحديث المختلق بالنسبة إلى النبي و حاشاه من ذلك، فإن كان لهم ولوع خاصّ بحفظ المعوذتين فلا بدّ أن يكون لأجل أنّ مضمون السورتين مطلوب كلّ بشر و مسئول كلّ سائل حاجة و متمني رفاهية و عيش رغيد ...
و الجواب الصحيح أنّ القصّة قد ذكرها أرباب التفاسير و في طليعتهم حبر الأمّة عبد اللّه بن عبّاس و تلميذه مجاهد بن جبر، و الكلبي، و من المتأخّرين الثعلبي، و لكن شيعة بني أميّة و بني