العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٤٨ - الفصل الأوّل في ذكر النزول
أمّا الجواب عن قولهم: إنّ المرتضى و الزهراء و سبطيهما (رضوان اللّه عليهم) كانوا أرفع درجة و أعلى رتبة من أن يسمّوا بالأبرار. فهو إنّا نقول لهم: هذا من أوهى ما قيل فيه و ذلك لأنّ اللّه تعالى سمّى أفضل الأقوال برّا و هو التوحيد [كما] في قوله تعالى: وَ لكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ [١٧٧/ البقرة: ٢] يعني و لكنّ البر من امن باللّه. و قال القائل:
ما نطق القائلون مذ نطقوا* * * أفضل من لا إله إلّا هو
و كذلك سمّي السيّد الحصور الّذي لم يعص اللّه طرفة عين يحيى بن زكريا (عليهما السّلام) برّا [في] قوله: وَ بَرًّا بِوالِدَيْهِ وَ لَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا [١٤/ مريم: ١٩].
و كذلك سمّى الروح المبارك الوجيه عيسى بن العذراء البتول برّا [في] قوله:
وَ بَرًّا بِوالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا [٣٢/ مريم: ١٩].
ثمّ انظر كيف سمّى نفسه تعالى برّا [كما في] قوله إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [٢٨/ الطور: ٥٢] فأيّ شرف أعلى و أنبل و أيّ ذكر أرفع و أفضل من هذا؟
و كيف يتفوّه بمثل هذا الكلام عاقل و هل فيه إلّا تفويق درجة المرتضى على/ ٦٠/ درجتي الرسولين؟ ثمّ على درجة الإيمان فكيف بذكر اللّه سبحانه؟
و مالكم و مثل هذا الجلف من الكلام إن لم يكن بكم داء يخامركم مخامرة اللئام؟
أ و لا ترى [إلى] ما قيل: «البرّ هو الّذي لا يوذي الذرّ» و هذا من أرفع الخصال و أنبل ما يذكر من أخلاق الرجال.
١٥- و قد أخبرني شيخي محمّد بن أحمد (رحمه الله) قال: أخبرنا أبو أحمد الهمداني قال: حدثنا أبو العبّاس الفضل بن محمّد بن أحمد بن مطر العبدي قال:
حدثنا أحمد بن عثمان قال: حدثنا هشام بن عمّار قال: حدّثنا سعيد بن يحيى، عن عبيد اللّه بن الوليد الوصافي، عن محارب بن دثار، عن ابن عمر:
عن النبي صلى اللّه عليه قال: «إنّما سمّاهم اللّه الأبرار لأنّهم برّوا الآباء و الأبناء كما أنّ لوالداك عليك حقّا كذلك لولدك عليك حقّا».
و هذا الحديث يجمع شرائف الأفعال و قد ذكرنا قبله شرائف الأقوال.