العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٢٨٩ - و منهم عمر بن الخطّاب
و أخبرونا من الواحد إلى العشرين متّصلة، و من العشرين إلى المائة متفرّقة؟
ثمّ طوى الكتاب و دفعه إلى بطريق من بطارقته فبعثه [إلى المدينة] فقدم البطريق المدينة فقال: أين دار ملككم؟ فدلّوه على دار عمر، فإذا ليس على داره بوّاب و لا حجب، فتحيّر البطريق فقيل له: اقرع الباب. فقرع فخرجت جارية سوداء فقالت: ما تريد؟ قال: الملك. فقالت: الملك هو الّذي في السماء لا إله غيره فإن عنيت صاحب الدار فهو ليس بملك و إنّما هو أجير المسلمين و أمير المؤمنين.
قال: هو أريد لا غيره. فقالت: هو في سعي أرملة يقضي لها حوائجها. فقال: من يدلّني عليه؟ فقالت: ادخل السوق فإذا رأيت رجلا طويلا نحيفا عليه رداء غليظ مرقّع برقاع الأديم و بيده درّة يعين الضعيف و يحمل عنه فاعلم أنّه هو.
فرجع البطريق من باب دار عمر و أجفت الجارية الباب و أغلقته [فسار البطريق] حتّى دخل السوق فإذا عمر قد وضع رداءه و يرفع على حمّال حمله و يقول له: يا مسكين ما أثقل حملك؟ ثمّ أخذ/ ٣٠٥/ درّته و أراد أن يمشي فعلم البطريق أنه هو فدفع إليه الكتاب من غير أن يسلّم عليه [ف] قال [له عمر: أنت] بطريق من بطارقة الروم؟ قال: نعم [أنا] رسول قيصر- و أفزعه كلام عمر- فأخذ عنه الكتاب و فكّ خاتمه فلمّا راى [فيه] أنّ الحارث بن سنان تنصّر اغرورقت عينه و رجع إلى منزله و أنزل البطريق منزلا و بعث إليه نزلا و قرأ الكتاب.
فلمّا كان غداة يومه دخل عليه علي بن أبي طالب و جماعة من أصحاب النبي صلى اللّه عليه و رضي عنهم، فقرأ عليهم الكتاب، فبكوا بأجمعهم لحارث بن سنان ثمّ دفع الكتاب إلى علي بن أبي طالب (كرّم اللّه وجهه)، فقرأه و ضحك، ثمّ قال: مر بدوات و قرطاس و قلم، فأحضروها فكتب:
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
من عبد اللّه عمر أمير المؤمنين إلى قيصر ملك النصرانيّة، أمّا بعد فأمّا ما ذكرت من أمر الحارث بن سنان فإنّه من يضلل اللّه فلا هادي له و ما كان دخوله في الإسلام إلّا طمعا في الأموال فلمّا لم ينل ما طمع مال إلى الّذي نال منها ما طمع، قال اللّه تبارك و تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ [فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ