العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٤٩ - الفصل الأوّل في ذكر النزول
و أمّا الجواب عن قولهم: إنّه ابتدأ بذكر الشراب و ليس ذلك من أعالي الثواب. فهو إنّا نقول لهم: إنّما ابتدأ بذكر ذلك على معتادهم و قد كان القوم يألفون الشرب و يذكرون الندمان في الشرب و يفتخرون بما كان يبدو منهم في تلك الحال من السماحة و الندى و الاقتحام على العدى أ لا ترى قائلهم كيف قال:
و إذا شربت فإنّني مستهلك* * * مالي و عرضي وافر لم يكلم
و قال الآخر:
و إذا سكرت فإنّني* * * ربّ الخورنق و السدير/ ٦١/
فنهوا عن ذلك فانتهوا، فبشّرهم اللّه سبحانه بخير ممّا نهوا عنه بدلا و أحسن ممّا كانوا يعملون فيه عملا، و لم يكن الطعام حاله حال الشراب، لاحتياج الغنيّ و الفقير و الشريف و الحقير إلى الطعام و عمومه فيما بين الأنام.
و أمّا الشراب فإنّه لا يتقدّم إليه إلّا من أشفق عليه و أعدّ له من أصحاب و عدد و إخوان و مدد.
و لأنّ ذكر الشراب كان أوفق بحالهم، لأنّهم إذا وافوا القيامة، و عاينوا المحمدة و الملامة، و قاسوا بلايا الحشور، و ذاقوا شدائد النشور، و رفعت الهواء و كشف الغطاء، و أدنيت الشمس من رءوسهم إلى قدر رمح، فاذتهم بحرارتها و كادت تحرقهم بنكاوتها، و غلبهم العطش و الغلّة، و علتهم الكابة و الذلّة، فلم يكن ما يكرمون به أوفق بحالهم من الشراب، [و] على هذا مضت قصّة الكتاب.
أ لا ترى الأطبّاء إذا استحضروا الأدواء، كيف يقدّمون الحارّ و البارد من الشراب، ثمّ يبلغونها الأطعمة الموافقة لذلك الباب، فلذلك ابتدأ اللّه سبحانه بذكر الشراب، و كان ذلك أفضل أوائل الثواب.
أ و لا ترى أنّ اللّه سبحانه أضاف أمر الشراب إلى نفسه بقوله: وَ سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً فأيّ شرف أعلى من هذا؟
و أمّا الجواب عن قولهم: ليس قوله عِبادَ اللَّهِ من الأوصاف العالية و قد كان المرتضى و الزهراء، ثمّ اسم/ ٦٢/ المؤمن و المتّقي أعلى منه لعموم اسم العبد