العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ١٠٣ - الفصل الرّابع في ذكر نظم هذه السورة و تلفيق آياتها و خصائصها
أنّ «هل» استفهام بغير جحد، و المعنيان جميعا الإثبات، ثمّ قال: عَلَى الْإِنْسانِ ليوافق قوله تعالى: أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ و إن كان الإنسان في قوله: أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أبا جهل، و هو في قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ أبونا آدم (صلوات اللّه عليه)، و قوله أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى [٣٧- ٣٨/ القيامة: ٧٥] موافق في المعنى لقوله: حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً في معنى المدّة المتراخية إلى أن سمّي باسم يميّز به عن غيره، أي إنّ الّذي خلق آدم (عليه السّلام) بلا أب و لا أمّ و لا خال و لا عمّ و لا ولادة و لا رحم [و] لا من نطفة/ ١١٩/ و لا من علقة، بل صوّره جسدا من طين و تركه ملقى بين مكّة و الطائف إلى حين، فلم يعرف ما هو و لا ما اسمه و لا ما يراد به و لا رسمه سوى أنّه يشاهد جسمه ثمّ إنّه نفخ فيه الروح فأحياه و عرّفه مذاهبه و مطالبه و هداه، قادر على أن يعيد الميّت حيّا و إن لم تكن [عن] ولادة و لا رحم و لا مضغة و لا دم و لا فحل و لا أمّ، فتنبّهوا لهذه الدلالة و اعتبروا بهذه المقالة.
ثمّ إنّ الحكمة أوجبت أن يمكث آدم (عليه السّلام) مخلوقا بين مكّة و الطائف أيّاما ذكرها اللّه سبحانه فلا يدرى ما اسمه و لا ما يراد به إلّا اللّه، ليوافق كون الحين في بطن أمّه أيّاما لا يدري ما اسمه و نوعه فيذكر بأسماء الرجال أم بأسماء النساء و لا [يعلم] ما يراد به إلّا اللّه عزّ و جلّ.
و ليوافق أيضا أشدّ الأنبياء (عليهم السّلام) لأنّه لم يوح إلى أكثر الأنبياء (عليهم السّلام) إلّا بعد بلوغهم الأشدّ- إلّا ما كان من عيسى و يحيى (عليهما السّلام)- فجعل اللّه سبحانه تلك الأيّام رصدا لهذا الأمر، و أساسا لها في عابر العمرة؟
و لأنّه لمّا علم اللّه سبحانه من أمر المرتضى (رضوان اللّه عليه) أنّه لا يقوم بالأمر إلّا بعد انقضاء مدّة مديدة و حصول عدة شدية، و لم يكن في أوّل حاله بالّذي يذكر بالخلافة [١] و إن كان لها مستصلحا فأوجبت الحكمة تأخيره ليوافق حال آدم (عليه السّلام)، و لم يكن/ ١٢٠/ آدم (صلوات اللّه عليه) يدري به، و لم يكن شيئا
[١] هذا من تلبيس إبليس و تمويهاته، بل حسدوه على ما اتاه اللّه من فضله، و آثروا الدنيا على الآخرة، فجحدوا حقّه، و قالوا بأنّهم يأبون من اجتماع النبوّة و الخلافة في بيت واحد.