العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ١٠٥ - الفصل الرّابع في ذكر نظم هذه السورة و تلفيق آياتها و خصائصها
ثمّ قال [تعالى]: إِنَّ الْأَبْرارَ يعني الّذين اتّبعوا الحجّة و لازموا المحجّة يَشْرَبُونَ إذا نزلوا دار القرار مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً و ابتدأ بذكر الكافور لأنّه أوفق بحالهم لأنّهم حين بعثوا و نشروا و وافوا المحشر حين سيروا، فلم يكن بدّ من معاينة أحوالهما و مقاساة حرارة الموقف و وبالها، إلى أن صاروا إلى النعيم و ظلالها، فوافقت حالهم حال من غلبت عليه الحرارة، لا سيّما و قد عاينوا الأهوال، فلم يكن شيء أوفق بهم من شراب يسكن عنهم الغلل و يذهب العلل/ ١٢٣/ أ لا ترى المحرور إذا بلغ الغاية و وافى النهاية و احتيج في مداواته إلى الكافور كيف يفثأها عنه، و إن كانت الأسماء تتّفق دون الخواص؟ و لكنّها ذكرت على ما يتقارب في عقول السامعين و لا يتنافر عنه علوم الناظرين.
و لأنّه لمّا تقدّم ذكر السعير و هو يدلّ على غاية الحرارة، فذكر الكافور بعده لتكون مقابلا له، لأنّه يدلّ على غاية البرودة.
ثمّ قال: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ لأنّ المرتضى (رضوان اللّه عليه) يسمّى ب «عبد اللّه» على ما نذكره في الفصل السادس في ذكر أساميه رضي اللّه عنه، إن شاء اللّه عزّ و جلّ. ثمّ قال: يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً كما ذكرناه في فصل الفوائد.
ثمّ وصف العباد بما يكشف عن حالهم و يبيّن وجه أخلاقهم و خصالهم فقال:
يُوفُونَ بِالنَّذْرِ أي هم الّذين كانوا يوفون بالنذر إذا نذروا، و يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً إذا حشروا، و كانوا يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ أي على قلبه؟ طلبا لمرضاة اللّه سبحانه و محبّته مِسْكِيناً الّذي سكنه الفقر عن الحركة وَ يَتِيماً استشهد أبوه في سبيل اللّه وَ أَسِيراً أسره حرب اللّه، فوصف الأبرار بالإحسان إلى العدوّ و الوليّ، و كذلك الكريم لا يمنع طعامه عن عدوّه و لا يكون بالّذي يمنّه حال الشدّة و القلّة عن الإنفاق، بل يستوي عنده/ ١٢٤/ الحالتان، و لذلك قال: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَ الضَّرَّاءِ.
و إذا دعا لهم السائلون و أثنى عليهم القائلون كرهوا ذلك و لم يريدوه و قالوا بقلوبهم إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً يعني مكافاة بأن تخدمونا بأبدانكم وَ لا شُكُوراً بأن تثنوا علينا بلسانكم، فالّذي لوجهه أطعمنا [كم] هو عالم بضمائر صدورنا و لا يخفى عليه عواقب أمورنا، إِنَّا نَخافُ