العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٥٢ - الفصل الأوّل في ذكر النزول
و هل شيء أرفع مما يكون عدّة على اقتحامها، ثمّ إنّ فيها الإحسان إلى الضعفاء، و إنّ من الشرف معاونة الضعيف، و لذلك روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (كرّم اللّه وجهه) أنّه قال في خطبته بإيوان المدائن: «السيّد من فعله جيّد، و الشريف من أنصف الضعيف» [١].
و أمّا الجواب عن قولهم: و ليس حبّ الطعام ممّا يتمدّح به و قد قال: عَلى حُبِّهِ
فهو إنّا نقول لهم: ليس الآية على ما توهّمتموه، و في معنى الآية ثلاثة أوجه:
أحدها: أنّ الهاء راجعة إلى اسم اللّه سبحانه في قوله: يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ [٦/ الإنسان: ٧٦] و القرآن كلّه كأنّه سورة واحدة أو كأنّه اية واحدة فسواء قربت الكناية من المكنّى أو بعدت، و معناه: «و يطعمون الطعام على حبّ اللّه سبحانه»، و كذلك المخلص يفعل ما يفعله من خير حبّا للّه تعالى و يجتنب ما يجتنبه من شرّ خوفا منه و من عقابه.
ثمّ إنّ الحبّ يختلف بإختلاف الدرجات و كذلك الخوف يختلف باختلاف الرجال و المقامات، فلا يخلو مخلص من خوف و إن لم يبلغ الكمال/ ٦٥/ في أحدهما.
الثاني: أنّ الهاء راجعة إلى الطعام، أي و يطعمون اطعام في حال يحبّ [المطعم] في مثله الطعام.
و روي عن مجاهد أنّه قال: وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ أي و هم يشتهونه.
و هذا هو مدح الخصال، لأنّ الرجل إذا أطعم و هو مستغن عنه فإنّه و إن كان ممدوحا بذلك فلا يكون كالّذي يطعمه و هو محتاج إليه يشتهيه إلّا أنّه اثر غيره على نفسه فيه، فليس الّذي يعطي عن قلّة كالّذي يعطي من كثرة، و لا الّذي يعطي و هو يشتهيه عبادة و ايثارا لغيره على نفسه فيه، كالّذي يعطي عادة و لا يرى ذلك عبادة، أو يعطي عن غنى.
[١] لم أظفر بعد على هذه الخطبة، فمن كتبها إليّ عن مصدر وثيق فله عليّ دورة من كتاب نهج السعادة، و ما عند اللّه أعلى و أجلّ.