العسل المصفى من تهذيب زين الفتى في شرح سورة هل أتى - العاصمي، أحمد بن محمد بن علي - الصفحة ٨١ - الفصل الثالث في ذكر بعض فوائد هذه السورة على سبيل الاختصار و الإيجاز
كتبت على لفظ الإخفاء بحذف النون كما كتب ممّا و ممّن و نحوها فيكون المعنى إن شكر و إن كفر إنّ ما فعل فإنّما هو عن هدايتنا إيّاه بذلك [١]. و الثانية منسوقة على الأولى.
و إذا كانت بمعنى الوجه الأوّل فلا بدّ من أن يؤتى بالثانية بعدها لأنّ التخيّر أو التخيير يقع بين الشيئين و ليس في ذلك شك البتّة.
و روي عن قتادة أنّه قال: إمّا شاكرا نعم اللّه تعالى و إمّا كفورا لها.
و روي عن بعض العلماء أنّ معناه: فجعلناه سميعا بصيرا و جعلناه إمّا شاكرا و إمّا كفورا [٢].
فإن قيل: كيف قال: سَلاسِلَ و قَوارِيرَا و عامة النحويين على أنّ فعالل و فعاليل و فواعيل غير مصروفة و لا منوّنة، و القرآن نزل باللّغة العالية؟
قلنا: أمّا صرف «سلاسل و قوارير» في الموضعين فبالاتّباع لمصاحف أهل الحجاز و الكوفة لأنّ الألف ثابتة فيها في هذه الكلمات الثلاث.
على أنّه قد روي/ ٩١/ عن أيّوب بن المتوكّل أنّه قال: الألف فيها ثابتة في مصاحف أهل المدينة و أهل مكّة و عتق مصاحف البصرة.
و قال أبو عبيد: رأيتها في مصحف عثمان بن عفّان: قَوارِيرَا بألف مثبتة و الثانية كانت مثبتة فحكّت أثرها و رأيت أثرها بيّنا هناك.
[١] و معنى هداية اللّه الإنسان إلى الشكر و الخير: هو تعريفه تعالى إيّاه الشكر و الخير و اثارهما الطيّبة و ترغيبه فيهما كي يختارهما و لا يعرض عنهما.
و معنى هدايته إلى الكفر: بيانه و تعريفه له هويّة الكفر و شين اثاره و قباحة فاعله و من يؤثره على الإيمان و الانقياد للّه تعالى ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حيّ عن بيّنة.
[٢] من محكمات الشريعة انّ الإنسان مجزي بشكره لنعم اللّه بالتنعيم و التقريب، و بكفره بالتعذيب و التبعيد عن ساحة العظمة و الكرامة، و على هذا فلا يمكن أن يكون الشكر و الكفر مجعولان لأنّ الشيء المجعول من حيث هو مجعول لا يعقل أن يكون من موجبات التنعيم أو التعذيب، كما أنّه لا يمكن أن يكون نفس السمع و البصر من موجبات الثواب و العقاب أو المدح و الذمّ عند اللّه تعالى، نعم الاستفادة الحسنة من السمع و البصر من وسائل القرب إلى اللّه و موجبات ثوابه، كما أنّ استفادة الشرّ و السيّئة من السمع و البصر من موجبات العقاب و البعد عن اللّه تعالى.