إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ١٣٨ - النمط الخامس في الصنع و الإبداع
و إنّما قال: «للمعنى المشترك بين معاني الفعل و الصنع و الإيجاد» و لم يقل: «معناها» و إن كان ظاهر كلام الشيخ ذلك، لأنّ هذه الألفاظ ليست [١] مترادفة، بل مختلفة الدلالة في اللغة كما سيجيء. نعم! المعنى المشترك بين معانيها هو الإحداث.
فإن قلت: هذا مناف لما سبق من اشتراك الإيجاد بين الصنع و الإبداع؛ فنقول: كأنّه جعل الإيجاد مشتركا بين معنيين مختلفين عموما و خصوصا.
ثمّ؛ إنّ قوما منهم قالوا: إنّ [٢] الفاعل إذا أوجد المفعول و أخرجه من العدم فقد زال احتياجه إليه، حتّى لو جاز العدم على الباري لما ضرّ وجود العالم.
و أكثرهم على أنّ الاحتياج لا يزول بعد الإيجاد، فإنّ المفعول محتاج [٣] إلى أعراض يوجدها الفاعل فيه. فهو و إن لم يحتج في أصل الوجود إلى الفاعل إلّا أنّه يحتاج إليه في البقاء، و لهذا قال: «و قد يقولون».
و الجواب عن شبههم [٤]:
أمّا عن شبهة البنّاء: فهو أنّا لا نسلّم أنّ البنّاء فاعل للبناء، بل البنّاء يحدث ميولا قسرية [١] في الأحجار و الآلات، و يحرّكها باعتبار تلك الميول إلى مواضع [٥] معيّنة فيحصل لها [٦] أوضاع و أشكال على الترتيب الّذي يضعها بعضها فوق بعض. و تلك الأوضاع [٧] و الهيئات هي البناء، و البنّاء سبب لحركات الآلات، و الحركات معدّات لحصول البناء. فهو سبب لمعدّات البناء لا فاعل له.
و أمّا عن الشبهة الثانية: فلا نسلّم [٨] لزوم تحصيل الحاصل، و إنّما يلزم لو كان التأثير هو تحصيل الوجود و إخراجه من العدم، و ليس كذلك؛ بل التأثير هو استتباع المؤثّر له و تعلّقه [٩] به [١٠] بحيث لو انعدم المؤثّر انعدم الأثر [١١] و يستحيل وجوده بدون وجود المؤثّر.
و [١٢] مثّل بالترتيب العقلي الّذي بين النور و الشمس، و بالصورة الحاصلة في المرآت ما دام
[١] . م: ليس.
[٢] . ق:- أنّ.
[٣] . م: يحتاج.
[٤] . م: شبهتهم.
[٥] . ص:+ بعينه.
[٦] . ج: له.
[٧] . ص:- و اشكال ... الأوضاع.
[٨] . ق: فلانا لا نسلّم. ص، س: فانا لا نسلّم. ج: فهو انا لا نسلّم.
[٩] . م: تعليقه.
[١٠] . ص:- به.
[١١] . ق، ص، ج:- الأثر.
[١٢] . ص:- و.