إلهيات المحاكمات - الرازي، قطب الدين - الصفحة ٤٢٩ - تعليقات المحقّق الباغنوي على متن المحاكمات (النمط السابع)
و أمّا ثانيا: فلأنّه على هذا التوجيه كان ينبغي أن يقول الشيخ: «و لما بعدها». و مع ذلك فعلى هذا كان حال ادراك العقول أنفسها مهملا في الكلام غير مبيّن؛ بخلاف توجيه الشارح، إذ ما بعد الأوّل يتناول نفسها. و الإمام لمّا تعرّض في شرح كلام الشيخ لحديث كون العقول عالمة بذواتها لكن جعله من ذواتها لا من ذات/ ٣٣DA / المبدأ علم أنّه جعل ضمير «ما بعده» للمبدإ موافقا للشارح؛ و ضمير «منه» للعقل؛ ففيه تفكيك الضمير.
ثمّ الباعث له على ذلك الإيماء إلى ما قرّره من أنّ العقول شرائط و الآلات و ليست عللا حقيقة، إنّما العلّة حقيقة هي ذات المبدأ- تعالى- و قد تحقّق أنّ العلم التامّ ما يكون من جانب العلّة؛ فاراد أن يجعل علوم العقول من هذا القسم، فأشار إلى أنّهما من الأوّل، إذ المراد أنّ الأوّل يفيض العلوم على ذواتهم بناء على أنّ المفيض منحصر في ذاته- تعالى- إذ لا مفيض و لا موجد غيره.
و بما قرّرنا ظهر أنّ توجيهه رحمه اللّه أولى و بالقبول أحرى؛ فاستقم كما أمرت! (٣٢). هاهنا نظر! لأنّه إذا كان علم الواجب- تعالى- عين معلولاته كان العلم بالمعلول الأوّل عين المعلول الأوّل لأنّ علمه به عبارة عن حضورة عنده و وجوده به، فلم يكن علمه- تعالى- متقدّما على إيجاده. و قد قال صاحب المحاكمات في توجيه كلام الشارح في ردّه على الشيخ أنّ العلم متقدّم على الإيجاد حيث قال: «و العلم متقدّم على الإيجاد فيعلم العقل الأوّل أوّلا ثمّ يوجده»؛ و هل هذا إلّا تناقض؟! ثمّ أقول: قد تقرّر أنّ فعل الواجب إنّما هو بالاختيار، و قد مرّ مرارا في الشرح و المحاكمات و قد صرّح بذلك الشيخ و الشيخ أبو نصر.
و على ما حقّقه الشارح يلزم كونه فاعلا موجبا، و ذلك لأنّ في صورة الفعل بالاختيار لا بدّ من تقدّم العلم على الإيجاد، و على تحقيق الشارح لا يكون مرتبة العلم سابقا على الإيجاد بل الإيجاد؛ كان سابقا على العلم كما أنّه سابق على وجود المعلول، إذ على هذا التحقيق العلم بالمعلول عين وجود المعلول عنده، فإن التزم ذلك بناء على أنّه لا يلزم من كونه- تعالى- فاعلا موجبا بالنسبة إلى المعلول الأوّل و نفي الاختيارية عنه- تعالى- لجواز كونه فاعلا بالاختيار بالقياس إلى ما بعد المعلول الأوّل و العلم السابق على