تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٩ - اشارة اخرى
سببه أخذ يتعجب من حدوث الآثار الغريبة عن بعض الأشياء، لكونها غير معهودة الحصول عنده عن هذه الأشياء- كما في هذه المسألة- فان المعهود عنده حصول الإنسان من مادة منويّة حاصلة من فضول رطوبات الأبوين، و لم يعهد عنده حصول الإنسان مرة ثانية من عظامه الرميمة، فليستبعد غاية الاستبعاد و يتعجب غاية التعجب، على ان أكثر الأشياء لو قطع النظر عن تكرر مشاهدة الإنسان حدوثها يكون حالها هذا الحال:
منها: حدوث الإنسان بعينه عن هذه الأسباب، فان أحدا لو لم يكن رأى تولد الإنسان و حكى له كيفيّة تولده عن الأبوين بعد اجتماعهما و انفصال شيء قليل المقدار من أحدهما في جوف الاخر ثم خروجه بعد تسعة أشهر من مسلك ضيق شخصا متكّثر الأعضاء، مختلف الاشكال، ذا حواس مختلفة و حركات متفننة، مبائن الحقيقة لتلك الرطوبة في جميع صفاته سوى الجسميّة، ثم بعد خروجه اهتدائه بمص الضّرع و بكائه ان منع منه ساعة، ففيه شهوة و غضب، و محبّة و خصومة، و كذا سائر صفاته و آثاره المعلومة و غير المعلومة فلا يكاد أن يذعن به.
فهكذا حال المنكر للبعث و تعجبه عن اعادة الإنسان مرة اخرى في دار القيامة، فاللّه تعالى نبّه على أن تعجبه انما يكون لجهله بوجه المناسبة بين كل مادة و ما يخلق منها، فقوله تعالى: «أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ* وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ» اشارة الى أن التعجب في تولده ابتداء أكثر من التعجب في إعادته ثانيا، ففي كون الإنسان موضع التعجب بحسب خلقته من النطفة أولا أليق و اولى من كونه كذلك بحسب نشوه الاخروي من أعضائه البالية ثانيا.
و قوله: «وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ» اشارة الى أن جهة الارتباط بين كل مادة