تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢١٦ - سورة يس(٣٦) الآيات ٦٠ الى ٦١
اخرى» و من لم يجعل اللّه له نورا فما له من نور.
ثم لما كان الامتياز بين النفوس الآدمية في الدار الاخرة و ترتّب الجزاء على الاعمال و الثواب للمطيع المسلم و العقاب للمسيء المجرم منشأه لأحدهما طاعة اللّه و للاخر طاعة الشيطان، و هي مشتركة بين تلك الأقسام الثلاثة الشقية من النفوس البهيمية و السبعية و الشيطانية- و ان كانت أسوئها عاقبة هي النفوس الشيطانية الكافرة بنعمة الايمان، التابعة في أوهامها و تفكراتها للشيطان، لما مر من أن عذابها أبدي و هي غير قابلة للرحمة و لا ينفع فيها الشفاعة- خصهم اللّه تعالى بالذكر عقيب هذه الاية توبيخا لهم و نعيا عليهم فيما هم فيه من الحسرة و الندامة من جهة الهلاك المؤبّد و الشقاء المخلد بقوله سبحانه:
[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٠ الى ٦١]
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَ أَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)
و «العهد» في اللغة بمعنى «الوصية» و «عهد اليه»: إذا وصاه، و قرى «اعهد»- بكسر الهمزة و فتح الهاء- و قد جاء عند أهل اللغة و الاشتقاق كسر حرف المضارعة غير الياء في باب «فعل» كله، و «أعهد» بفتح الهمزة و كسر الهاء و نقل عن الزجاج تجويز كون هذا الفعل من باب «نعم ينعم» و «ضرب يضرب» و «احهد» بابدال العين حاء، و «أحدّ» بابدال الهاء ايضا حاء، و منه قولهم: دحّا محا.
و عهد اللّه الى بني آدم ما فطرهم اللّه على فطرة الاستعداد لايداع علم التوحيد في ذواتهم المشار اليه بقوله: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [٧/ ١٧٢] و لاقتناء الخيرات و اكتساب السعادات الاخروية.
و ميثاق ذلك العهد ما ركز في نفوسهم من أوائل المعقولات و أدلة العقليات