تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٦٨ - سورة يس(٣٦) آية ٢٨
و لكن لما كان نبينا محمد صلى اللّه عليه و آله و سلم جامع شئون الأنبياء كلهم ظاهرا و باطنا، و حاوي شتات كمالاتهم و حالاتهم غيبا و شهادة، فضّله اللّه بكل شيء على كبار الأنبياء و اولى العزم من الرسل، و أولاه من أسباب الكرامات و الكمالات ما لم يعطه أحدا، فأهلك خصومه و جاحديه بفنون من الهلاك الجسماني و الروحاني كل بحسبه، فمن ذلك انه أنزل جنودا من السماء، و من ذلك ما أشار بقوله وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى [٨/ ١٧] و منه قوله تعالى: وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [٣٦/ ٩] و من ذلك قوله: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا [٥/ ٦٤].
و تفصيل وجوه العقوبات على حسب مراتب الخصومات لحبيب اللّه و رسوله الجامع لجميع الفضائل و الخيرات مما يطول، و شرحه خارج عن حد العقول، فلنكتف بمجمل هذا المقام، و هو أن للّه نقمة جلية و خفية، كما أن له نعمة ظاهرة و باطنة.
و قيل معنى الاية: و ما أنزلنا على قومه بعده رسالة من السماء. قطع اللّه عنهم الرسالة حين قتلوا رسلهم، و هو مروي عن مجاهد و الحسن، و المراد أن الجند هم ملائكة الوحى الذين ينزلون على الأنبياء، و هو اشارة الى انقطاع الوحى عنهم لسوء استعدادهم و غلبة جحودهم و عنادهم لحامليه، و هذا أشد مراتب العقوبة حيث يوجب الهلاك الابدي و الشقاوة السرمدي، الحاصل من فساد الاعتقاد، و بطلان الروح بانقطاع الاغذية الروحانية عنها، التي هي الايمان باللّه و الطاعة و العلم و العبادة، و توارد السموم المهلكة لها من الكفر و المعصية و الجهل و الغواية، و في قوله تعالى: