تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٦٥ - سورة يس(٣٦) الآيات ٢٦ الى ٢٧
وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ و انما تمنى علم قومه بحاله، ليكون علمهم بكماله سببا لهم في استحصال مثل ذلك لأنفسهم، و الرغبة منهم في سلوك طريقه و اكتسابهم العلم و الايمان، و توبتهم عن الكفر و العصيان، تكثيرا لأهل الخير و الإحسان، و سوقا لعباد اللّه الى الجنة و الرضوان و
في الحديث [١]: «نصح قومه حيا و ميتا».
و فيه تنبيهات عظيمة على أسرار لطيفة من وجوب كظم الغيظ، و الصبر على كيد الكافرين، و العطوفة على الجاهلين، و طلب الهداية لمن أوقع نفسه في الهلاك، و استحصال الخلاص لمن تورط في الموبقات، و اقتحم في نار الشهوات كالفراش المبثوث، و النصيحة لأهل البغي و العناد، و التشمّر في تخليص أعدائه، و التلطف في نجاة خصمائه، و النسيان عن ظلم الاعادي و طلب انتقامهم و عوض إيلامهم، و الصفح عن زلاتهم و خصوماتهم، و الذهول عن الشماتة بهم، و الدعاء عليهم بتمني الخير لقاتليه، و هم كفرة لئام، و طلب الرحمة لمهلكية و هم عبدة أصنام.
نظير ذلك ما حكى أنّه لما فعل بابن منصور ما فعل، سمع منه همهمة، فلما أصغى اليه فهو يقول في مناجاته: «الهي أفنيت ناسوتيّتي في لاهوتيّتك فبحق ناسوتيّتي على لاهوتيّتك أن ترحم على من سعى في قتلي».
و قيل يجوز أن يتمنى ذلك ليعلموا أنّهم كانوا على خطاء فاحش في أمره، و أنه كان على صواب و حق، و كان الحق معه مربيا له، و مكمّلا نفسه بالعلم و الحال، و راقيا روحه الى عالم الكرامة و الجمال، و أن عداوتهم لم تورثه
[١] الكشاف: ٢/ ٥٨٥