تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٦٤ - سورة يس(٣٦) الآيات ٢٦ الى ٢٧
قومه لما أرادوا أن يقتلوه رفعه اللّه اليه فهو في الجنة لا يموت الا بفناء الدنيا و هلاك الجنة- و قالا: ان الجنة التي دخلها يجوز هلاكها. و قيل: انهم قتلوه الا أن اللّه سبحانه أحياه و أدخله الجنة، فلما دخلها:
قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي اي سترني بنور رحمته و كساني بكسوة الكرامة و العلم، و رباني و رقاني من حد النقصان النفساني الى حد الكمال العقلاني، و التربية: تكميل الشيء تدريجا، و اللّه سبحانه يربي النفوس الانسانية بالفضيلة و الحال من حد النقص الى حد الكمال، و ذلك لأنها في أول خلقتها في غاية الضعف لقوله: خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [٤/ ٢٨] لأنها نشأت من اللاشيء كما قال: لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [٧٦/ ١] و لا أضعف من اللاشيء، و تكونت من وسخ الطبيعة و ظلمة الهيولي كما أشار اليه بقوله: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ [٢/ ٢٥٧] و انما استكملت بالتدرج من حال الى حال، و بلغت من مرتبة العقل الهيولاني الى عالم العقل الفعال، بتتالي الهامات من اللّه، و ترادف كمالات عقيب رياضات من المبدإ الأعلى، حتى زالت عنها العيوب و القشور، و خلصت كالذهب الخالص من الأوساخ و الاكدار، الباعثة لالم الذوبان في الكور، و الاغشية و الظلمات الموجبة للثبور، و الهيئات و الاغلال الموبقة المعقبة لعذاب القبور، و الجهالات الحاجبة عن البلوغ الى عالم النور.
و هذا معنى التربية للنفس، المقتضي لها الشرف و الكرامة، و لذا عقّبه بقوله: