تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٩ - المسألة الخامسة في لمية صدور العصيان و حصول الشقاوة لافراد الإنسان
المسألة الخامسة في لمية صدور العصيان و حصول الشقاوة لافراد الإنسان
لقائل أن يقول: لما تحققت أمره و ارادته تعالى للأشياء على الوجه الذي قررت من كونها عين المحبة الالهية، الجاعلة كل أحد على أفضل ما يختار له و يحب لنفسه، فما معنى صدور المعاصي عنهم و الاثام المعقّبة لهم يوم القيامة صنوفا من الآلام؟
فنقول: كل ذلك حق و سنطلعك على حقيقة الامر فيه، فاعلم ان الطاعة كل هيئة يقتضيها ذات الإنسان على ما جبلت عليها لو خلت عن العوارض الغريبة، و هي الفطرة الاولى التي فطر اللّه عليها العباد كلهم، و المعصية كل ما يقتضيه ذاته بشرط أمر غريب يجري مجرى المرض، و الخروج عن الحالة الاولى، فيكون ميل الإنسان كشهوة أكل الطين التي هي غريبة بالنسبة الى المزاج الطبيعي لم يحدث الا لعروض مرض و انحراف عن مذهب الطبيعة الاصلية.
و
قد ورد في الحديث القدسي [١]: «اني خلقت عبادي كلهم حنفاء و انهم أتتهم الشياطين فاحتالهم عن دينهم»
فالطاعة هي الحنيفية التي تقتضيها ذواتها لو لم تمسسهم أيدى الشياطين، فإذا مستهم أيديها فسد عليهم مزاج فطرتهم، فاقتضوا أشياء منافية لهم مضادة لجوهرهم البهي الالهي من الهيئات الظلمانية و نسوا أنفسهم، و كاد أن يسقطوا عن درجتهم التي جبّلوا عليها، فأتتهم رسول من اللّه يذكرهم العهد القديم، و يتلوا عليهم آيات ربهم، و يعود عليهم بتلك الهيئات التي كانت تقتضيها ذواتهم، فصرفوا عنها باللاحق الغريب، و تكرر عليهم بما يذكر ذلك من الصلوة و الصيام و الزكاة و الإطعام وصلة الأرحام،
[١] - المسند: ٤/ ١٦٢ (فأضلتهم عن دينهم).