تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٩٠ - المسألة الخامسة في لمية صدور العصيان و حصول الشقاوة لافراد الإنسان
الى غير ذلك من الطاعات المعروفة، فان كل ذلك دين اللّه الذي ديّنه و دعا اليه عباده أجمعين، و أمرهم به قبل خلق السموات و الأرضين، فأطاعوه و تقلّدوه طوعا و رغبة و حنينا و محبة.
و لو لم يكن هذه الهيئات مما تقتضيها ذواتهم كانت دعوتهم اليها دعوة الى شقاوتهم، لان سعادة الشيء ليست الا ما يقتضيه ذاته و يلائم نشأته و يوافق طبعه (طلبه- ن) و لا شقاوته الا خلاف ما يقتضيه ذاته، و انما كبرت الصلوة و ثقلت الطاعات على الناس لما انشبّ فيهم أظفار من العارض الغريب بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ [٢٣/ ٧١] وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي- الاية [٣٢/ ١٣].
فأما الخاشعون- و هم الذين باشروا أنوار الحق نفوسهم حتى خشعوا لها فان اللّه إذا تجلى لشيء خشع له- فليست الصلوة كبيرة عليهم، ثم ان هذا المرض الذي عرض لذواتهم، و الحالة المنافية التي حلّت بهم، لو لا أن وجدوا قبولا من ذواتهم لعروضها لهم و اذنا في لحوقها بهم لم يكونا يعرضان لهم أبدا و لا يلحقان بهم، فاذن كان مما يقتضيه ذواتهم أن يلحق بهم امور منافية لجواهرهم، فإذا لحقتهم تلك الأمور اجتمعت فيها جهتان: جهة نورية فطرية، و جهة ظلمانية وهمية، فكانت ملائمة منافية.
اما الملائمة فلان ذواتهم اقتضتها، و اما كونه منافيا فلأنها اقتضتها على أن يكون منافية لهم، فلو لم يكن منافية لهم لم يكن ما فرضناه مقتضى لها، مقتضى لها، بل أمر آخر- هذا خلف-.
فالشيء عند عروض مثل هذا المنافي ملتذ متألم، سعيد شقي، ملتذ و لكن لذته ألمه، سعيد و لكن سعادته شقاوته، و هذا عجيب جدا و لكن أوضحناه لك إيضاحا لم يبق معه عجب و ريب إن شاء اللّه.