تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٥ - توضيح تنبيهى و تمثيل تفصيلي
و لهذا نحن نكره أن يشتغل الناس بهذه العلوم الربانية الأعلى نهج التقليد و التسليم ايمانا بالغيب، فان المستعدين لها قليل، و المستفرغين مجهودهم في سبيلها أقل، و الصابرون الواصلون بعد الفراغ أندر كثيرا مثل الكبريت الأحمر و لهذا السبب وقع المنع في شريعتنا المطهرة عن البحث عن سر القدر، و عن ماهية الروح التي من عالم الامر و ما يجري مجرى هذين.
و اللّه نسئل أن يعصمنا من الضلال، و أن يحرسنا عن التردي الى مهوى النكال، و أن يسلك بنا سواء السبيل، و يحفظنا عن التشبيه و التعطيل، و اللّه ولي الفضل و النعمة و معطى الفيض و الرحمة.
فالغرض ان اللّه سبحانه مثّل على المنكرين للمعاد و ارتجاع النفوس الآدمية الى الأبدان و عودها الى كلاية الأجساد بأمثلة ثلاثة، كل واحد منها أعجب و أشكل عند العقول البحثية من أمر المعاد:
أحدها: مثال تعلق النفس بالبدن، فانه أمر مشكل عجيب، فإنها كيف تعلقت به، و هي ليست حالّة فيه حلول الاعراض في محالّها، و لا حلول الصور في المواد، فإنها جوهر قائم بنفسه يتوارد عليه الكيفيات النفسانية من العلوم و الأخلاق، و هو يعرف ذاته، و يعرف خالقه و يعرف كثيرا من المعقولات الكليّة من غير حاجة له فيها الى البدن و لا الى شيء من الحواس، لان شيئا من هذه المعارف ليس محسوسا و من استغنى عن شيء في وجود فعله او انفعاله فيكون مستغنيا عن ذلك الشيء في وجود ذاته على طريق الاولى، فلا يكون وجود النفس في البدن وجود عرض في موضوعه و لا صورة في مادتها.
و الإنسان في حال حيوة البدن يمكن أن يتصور نفسه غافلا عن المحسوسات كلها، و عن الأبدان و الابعاد و الاجرام كلها، و هو في تلك الحالة عارف بنفسه