تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٣ - نكتة فرقانية في كرامة نبوية
ثم يتصدي لمخاصمة من ربّاه و أنماه و أعطاه كسوة بعد كسوة، و صورة غبّ صورة و حرسه عن الآفات و صانه عن المفسدات و المهلكات، و أخرجه من ظلمات ثلاث الى فضاء العالم و رزقه من الطيبات، و رقاه من طور الى طور و من حال الى حال، الى أن كمل عقله و صار مكملا فيتصدى لمخاصمة الجبار و يبرز المجادلة للعزيز القهار راكبا متن الباطل، متلبسا لباس اللجاج و العناد، ذاهبا طريق الجاهلية الاولى ناكصا على عقبيه، راجعا الى المنزل الأدنى.
فهذا غاية شدة السفاهة و القباحة، و نهاية الخسة و الوقاحة، حيث خاصم مثل هذا الخسيس الأدنى لمثل ذلك العلي الأعلى بعد سبق هذه العطايا المتوافرة و النعم المتكاثرة في أمر الهداية الى طريق السعادة، و إنذار رسول مبلغ مرسل من قبله من أعلى عليين الى هذا الذليل المهين، الواقع في أسفل السافلين، ليهديه و يرشده هذا الناصح و يهذبه و يخلصه من مهوى الشياطين، و ينجيه من عذاب أليم و يعرج به الى الدرجات العلى في جوار رب العالمين، فيكذب رسوله و يؤذيه و يستهزي به و يمده في طغيانه و جهله و عناده و استكباره و إنكاره ليوم الدين.
فما أعجب هذا الطغيان! و ما أشنع هذا الكفران! و ما أنزل صاحبه في مهوى الخسة و الهوان! و ما أبعده من رحمة الغفور الرحمان!
نكتة فرقانية في كرامة نبوية
و مما يخطر بالبال في سياق هذه الاية و اتصالها بما سبق انه قد سلى سبحانه في الاية السابقة لرسوله صلى اللّه عليه و آله من مخاصمة أعدائه و تكذيبهم إياه و اعلانهم مخاصمته و إضمارهم معاداته بانا نعلم ذلك، و من علم بما يصل الى حبيبه من خصمائه و أعدائه من الاذاء و الجفاء- ظاهرة و باطنة، إعلانا و اسرارا- و هو قادر على مجازاتهم و تعذيبهم و إيلامهم، فمعلوم ثابت انه يجازيهم بأبلغ