تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٢٠ - شك و تحقيق
لا تفي قوة البشر باحصائها، و لو لم يكن كذلك لكان خلقها عبثا و باطلا، و لم يصح قوله تعالى: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا [٣/ ١٩١] و قوله: وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ [٢١/ ١٦] و كما انه ليس في أعضائك عضو الا لفائدة فالعالم كله كشخص واحد، و آحاد أجسامه كالاعضاء له، و هي متعاونة تعاون أعضاء بدنك في جملة بدنك و شرح ذلك يطول، و أكثر الناس غافلون عن حكم اللّه في السماء و الأرض، جاحدون في خلقها، معرضون عن آياتها، لقوله تعالى: وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ [٢١/ ٣٢].
و توهم بعضهم أن التفكر في حكمة ما في السموات و التدبر في آياتها يستلزم الايمان بالنجوم المنهي عنه في الشرع، لجهلهم بامتياز هذا العلم عن علم الأحكاميين، الذين يحكمون على الكواكب بآثار أرضية في ساعات معيّنة رجما بالغيب، بحسب تخمينات و مجاز فات و تجارب ناقصة، فأحكامهم من هذه الجهة كاذبة و ان اتفقت أحيانا.
و ليس كذلك علم الهيئة و الهندسة و الحساب من الرياضي و لا علم السماء و العالم من الطبيعي، و لا البحث عن مباديها و غاياتها و النظر في الآثار و الحكم المترتّبة عليها كليّة من العلم الالهي، فان جميع ذلك من العلوم الشريفة و من الحكمة الممدوحة في الكتاب و السنّة، الا ان بعضها أشرف من بعض، و هو ما يكون أوثق برهانا، و أعلى لميّة، و أقضى غاية، و أرفع غرضا و فائدة، و لذلك
نظر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله الى السماء و تدبر في نجومها و قرء قوله تعالى: رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ
[٣/ ١٩١] ثم قال:
«ويل لمن قرء هذه الاية ثم مسح بها سبلته» [١] و معناه أن يقرأ و يترك التأمّل،
[١] - مضى في ص ٢٣٠.