تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٨ - شك و تحقيق
فاعلم ان الاطعمة كثيرة، و للّه في خلقتها عجائب كثيرة لا تحصى عددها و أسباب متوالية لا تتناهى وصفها، و ذكر ذلك في كل طعام مما يطول، إذا لا طعمة اما أغذية و اما أدوية و اما فواكه.
فلنأخذ الاغذية فإنها الأصل- و لنأخذ من جملتها الحبوب، بل حبة من الشعير او الحنطة التي يتغذى بها الحيوان او الإنسان، فنقول: إذا وجدت حبة او حبّات فلو أكلتها او أطعمت بها دابتك لفنت و بقيت او بقي دابتك جائعا، فما أحوجك أن ينمو الحبة في نفسها او يتضاعف حتى يفيء لجميع حاجاتك، فخلق اللّه في الحبة من القوى ما تتغذى- كما خلق فيك- فان النبات انما يفارقك في الحس و الحركة لا في الاغتذاء و لسنا نطنب في ذكر آلات النبات في اجتذاب الغذاء الى نفسه و إمساكها، و هضمها و دفع فضولها، و لكن كلامنا في نفس الغذاء- كيف يحصل- لا في الاغتذاء به.
فنقول: كما ان الخشب و التراب لا يصلح لغذائك، بل تحتاج الى طعام مخصوص مناسب لك، فكذا الحبة لا تغتذي بكل شيء، بل تحتاج الى شيء مخصوص مناسب لها، بدليل انه لو تركتها في البيت لم تزد بمجرد مصادفة الهواء، و لو تركتها في الماء لم تزد، و لو تركتها في أرض لا ماء فيها لم تزد، بل لا بد من أرض فيها ماء يمتزج مائها بالأرض، فيصير طينا، و اليه الاشارة بقوله تعالى: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ* أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا- الاية [٨٠/ ٢٥].
ثم لا يكفي الماء و التراب إذ لو تركتها في أرض ندّية صلبة متراكمة، لم تنبت لفقد الهواء، فيحتاج الى أرض خربة متخلخلة، يتخلخل الهواء اليها ثم الهواء لا يتحرك اليها بنفسه، فيحتاج الى ريح يحرك الهواء و يضربه بقهر و عنف على وجه الأرض حتى ينفذ فيها، و اليها الاشارة بقوله تعالى: وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [١٥/ ٢٢] و انما لقاحها في إيقاع الازدواج بين الهواء و الماء